بنوك عربية
أظهرت دراسة تحليلية أصدرتها مجموعة البنك الدولي أن جائحة فيروس كورونا تُهدد المكاسب التي تحققت بشق الأنفس في مجالي الصحة والتعليم على مدى العقد الماضي، خاصة في أشد بلدان العالم فقرا.
ووفقا للدراسة التي أعدتها المجموعة تحت عنوان “مؤشر رأس المال البشري 2020″، الصادرة أمس الأربعاء، فإن الاستثمارات في رأس المال البشري، أي المعارف والمهارات والصحة التي تتراكم لدى البشر على مدى حياتهم، هي الأساس لإطلاق العنان لإمكانات أي طفل وزيادة النمو الاقتصادي في كل بلد.
وتعقيبا على هذه الدراسة، قال ديفيد مالباس، رئيس مجموعة البنك الدولي، “إن هذه الجائحة تعرض للخطر ما تحقق من تقدم خلال عشر سنوات في بناء رأس المال البشري، بما في ذلك التحسينات في مستوى الصحة، ومعدلات البقاء على قيد الحياة، والالتحاق بالمدارس، وانخفاض التقزم. والتأثير الاقتصادي لهذه الجائحة عميق بشكل خاص بالنسبة إلى النساء والأسر الأكثر حرمانا، مما يترك العديد منهم عُرضة لانعدام الأمن الغذائي والفقر… إن حماية البشر والاستثمار فيهم أمر حيوي في الوقت الذي تعمل فيه مختلف البلدان على إرساء الأساس للتعافي المستدام الشامل والنمو المستقبلي”.
وحسب البنك الدولي، فإن الجائحة قد تسببت في عدم انتظام معظم الأطفال – أكثر من مليار طفل – في الدراسة بمدارسهم، وقد يخسرون في المتوسط نصف عام من التعليم، بعد تعديله ليعكس مقدار التعلم، وهو ما سيتحول إلى خسائر نقدية ضخمة. كما تظهر البيانات حدوث تعطل ملموس في الخدمات الصحية الأساسية للنساء والأطفال، مع فوات الفرصة على عديد من الأطفال للحصول على التطعيمات الحيوية.
وتتضمّن دراسة “مؤشر رأس المال البشري 2020” بيانات عن الصحّة والتعليم في 174 بلدا تُغطي 98 في المائة من سكان العالم، وذلك حتى شهر مارس الماضي، مما يتيح خط أساس لمّا قبل تفشي الجائحة بشأن صحة الأطفال وتعليمهم.
نمو مطرد قبل الجائحة
ويظهر التحليل أن معظم البلدان قد حققت تقدما مطردا في بناء رأس المال البشري للأطفال قبل تفشي الجائحة، مع تحقيق أكبر القفزات في البلدان المنخفضة الدخل. على الرغم من هذا التقدم، وحتى قبل انتشار تأثيرات الجائحة، يمكن أن يتوقع الطفل المولود في بلد ما ألا يحقق سوى 56 في المائة من إمكانات رأس ماله البشري، وذلك بالمقارنة بمعيار التعليم الكامل والصحة الوافرة.
كما تُقدم الدراسة أيضا نظرة لتطور نتائج رأس المال البشري على مدى عقد من الزمن من عام 2010 حتى عام 2020، حيث اتضح تحقيق تحسينات في جميع مناطق العالم، أينما توفرت البيانات، وفي جميع مستويات الدخل. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى التحسينات في مستوى الصحة، وهو ما تجسد في تحسّن معدلات بقاء الأطفال والكبار على قيد الحياة وانخفاض التقزم، فضلا عن زيادة الالتحاق بالمدارس. لكن هذا التقدم معرض الآن للخطر بسبب الجائحة العالمية.
وخلصت الدراسة إلى أن نتائج رأس المال البشري بالنسبة إلى الفتيات أعلى في المتوسط منها بالنسبة للفتيان. غير أن هذا لم يتحول إلى فرص مماثلة لاستغلال رأس المال البشري في سوق العمل حيث تقل معدلات تشغيل النساء في المتوسط بمقدار 20 نقطة مئوية عن معدلات تشغيل الرجال، مع وجود فجوة أوسع في العديد من البلدان والمناطق. وعلاوة على ذلك، فإن الجائحة تزيد من مخاطر العنف القائم على نوع الجنس، وزواج الأطفال، وحمل المراهقات، وكلها عوامل تزيد من تقليص فرص التعلم والتمكين للنساء والفتيات.
وأكدت الدراسة أن مكاسب رأس المال البشري التي تحققت بمشقة في العديد من البلدان تتعرض للخطر. بيد أنه بوسع بلدان العالم أن تفعل ما هو أكثر من مجرد العمل لاستعادة ما خسرته من تقدم. فمن أجل حماية وتوسيع نطاق المكاسب السابقة في رأس المال البشري، تحتاج هذه البلدان إلى التوسّع في جودة الخدمات الصحية ونطاق تغطيتها في المجتمعات المهمشة، وتعزيز نواتج التعلم إلى جانب الالتحاق بالمدارس، ودعم الأسر المحرومة من خلال تدابير الحماية الاجتماعية التي تتكيف مع حجم أزمة جائحة كورونا.
حلول طويلة الأجل
وتعمل مجموعة البنك الدولي بشكل وثيق مع الحكومات المعنية لوضع حلول طويلة الأجل لحماية الناس والاستثمار فيهم أثناء انتشار الجائحة وبعدها.
ومن بين هذه الحلول، يدعم البنك الدولي اقتناء معدات طبية حيوية في كل من أثيوبيا ومنغوليا وهايتي، وأيضا وضع بروتوكولات السلامة والنظافة المدرسية، ويتعاون مع فرق مياه الشرب والصرف الصحي والصحة العامة لتوفير اللوازم الأساسية للصحة العامة، في كل من بنغلاديش وبوركينا فاسو ونيبال.
وفي الأردن وتركيا، يقوم البنك الدولي، من خلال عمليات جديدة تمت الموافقة عليها مؤخرا، بدعم وضع المحتوى التلفزيوني والرقمي للتعليم المختلط للعام الدراسي الجديد، فضلا عن تقديم المشورة النفسية الاجتماعية والدورات العلاجية، ويدعم البنك في منطقة الساحل مشروع التمكين الاقتصادي للمرأة والاستفادة من العائد الديموغرافي الذي يهدف إلى تهيئة بيئة مواتية لتمكين النساء والفتيات من خلال برامج لإبقاء الفتيات في المدارس، وتوسيع الفرص الاقتصادية والحصول على خدمات الصحة الإنجابية الجيدة.
كما يساعد البنك الهند على التوسع فورا في التحويلات النقدية والمزايا الغذائية، باستخدام مجموعة من المنصات والبرامج الوطنية القائمة لتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين الأساسيين المشاركين في جهود الإغاثة من جائحة كورونا؛ وتُفيد الفئات الضعيفة، ولا سيما بين المهاجرين والعمال غير النظاميين، الذين يواجهون مخاطر الاقصاء العالية.
ولفتت الدراسة إلى أن التدابير الطموحة التي تعتمد على الأدلة في مجال الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية يمكن أن تستعيد المكاسب المفقودة وتمهد الطريق أمام أطفال اليوم للتفوق فيما تحقق من إنجازات في رأس المال البشري وجودة الحياة للأجيال التي سبقتهم. إن تحقيق الإمكانيات الخلاقة المتجسدة في كل طفل لم هو أهم الآن من أي وقت سبق.
وتعمل مجموعة البنك الدولي، باعتبارها واحدة من أكبر المصادر العالمية للتمويل والمعارف للبلدان النامية، حاليا على تنفيذ تدابير سريعة وواسعة النطاق لمساعدة هذه البلدان على تدعيم تصديها لهذه الجائحة، حيث تدعم المجموعة تدخلات الرعاية الصحية، وتعمل على ضمان تدفق المستلزمات والأجهزة الحيوية، ومساعدة مؤسسات القطاع الخاص على مواصلة عملها والحفاظ على موظفيها. وستتيح ما يصل إلى 160 مليار دولار من الموارد المالية على مدى 15 شهرا لمساعدة أكثر من 100 بلد على حماية الفئات الفقيرة والمحرومة، ومساندة الشركات، وتعزيز الانتعاش الاقتصادي. ويشمل ذلك 50 مليار دولار من الموارد الجديدة من المؤسسة الدولية للتنمية في شكل منح أو قروض ميسَّرة للغاية.