بنوك عربية
طرح صندوق النقد العربي العدد الثالث والعشرين من سلسلة موجز سياسات بعنوان “واقع وآفاق القطاع المالي غير المصرفي في الدول العربية: قطاع التأمين”، يُلقي الموجز الضوء على الوضع الراهن لأوضاع الرقابة على قطاع التأمين ومسؤوليات ودور السلطات الإشرافية ذات الصلة بتطوير المؤسسات العاملة في القطاع، وضمان التزامها بالمعايير الدولية، بما يدعم النمو الاقتصادي والاستقرار المالي.
كما يرصد الموجز الآثار الأولية لجائحة كوفيد-19 على أنشطة القطاع، والتدابير المُتبناة من قبل السلطات الإشرافية المعنية لمواجهة تلك الآثار.
كما اهتم هذا العدد من موجز السياسات بإلقاء الضوء على واقع قطاع التأمين العالمي في أعقاب جائحة كوفيد-19، حيث أشار الموجز إلى أن حجم أصول قطاع التأمين قد بلغ عالميا نحو 35.4 تريليون دولار أمريكي في عام 2019 تمثل نحو 17.6 في المائة من إجمالي أصول القطاع المالي غير المصرفي بنسبة نمو بلغت نحو 09.0 في المائة مقارنة بالمستويات المسجلة في عام 2018، ما يمثل أعلى نسبة نمو للقطاع منذ عام 2002 وفق بيانات مجلس الاستقرار المالي، بما يعكس نمو عمليات التأمين في الدول النامية واقتصادات السوق الناشئة، وكذلك اتساع أنشطة التحوط ضد المخاطر لصناديق الاستثمار على مستوى العالم، وتسيطر الولايات المتحدة الأمريكية على نحو 31.5 في المائة من إجمالي سوق التأمين العالمي، فيما يبلغ نصيب منطقة اليورو نحو 27.2 في المائة، واليابان نحو 03.4 في المائة، وتسيطر الدول النامية وإقتصادات السوق الناشئة على حوالي 11.2 في المائة.
وحقق قطاع التأمين العالمي تحولات ملموسة في العام المنقضي في أعقاب جائحة كوفيد-19 التي زادت من مستويات الطلب على خدمات التأمين لتعزيز مستويات تحوط الأفراد والمؤسسات ضد المخاطر المحتملة خاصة منها ما يتعلق بالتأمين على الحياة، والتأمين الصحي، أو تأمين العمليات في ظل المخاطر التي تعرضت لها سلاسل الإمداد العالمية، وكذلك مخاطر الهجمات السيبرانية في ظل انتشار بيئات الأعمال الإلكترونية.
وبناء عليه، ارتفعت القيمة الإجمالية للأقساط التأمينية على مستوى العالم بنسب تراوحت بين 01.7 في المائة إلى 01.9 في المائة. بالتالي فقد كان أداء القطاع أفضل من أداء باقي القطاعات الاقتصادية والمالية الأخرى، على الرغم من جائحة كوفيد-19 وبنهاية عام 2020، انخفضت القيمة الحقيقية لأقساط التأمين على مستوى العالم بنحو 01.3 في المائة ما يمثل فقط حوالي ثلث معدل الانخفاض المسجل في إجمالي الناتج العالمي.
يأتي هذا الانخفاض المحدود كمحصلة لنمو الأقساط التأمينية في الدول النامية واقتصادات السوق الناشئة بنحو 0.8 في المائة لاسيما في الصين التي سجلت الأقساط التأمينية بها نموا بنسبة 03.6 في المائة في عام 2020، فيما سجلت الأقساط التأمينية انخفاضا بنحو 01.8 في المائة في الاقتصادات المتقدمة كنتيجة للانكماش الأكبر المسجل للناتج المحلي الإجمالي في هذه الدول.
كما أوضح الموجز أنه من المتوقع نمو الطلب العالمي على التأمين بما يفوق 03.3 في المائة في عام 2021، و3.9 في المائة في عام 2022، بوتيرة للتعافي تعتبر الأقوى والأسرع على مدار العشرين عاما الماضية نتيجة الزيادة الكبيرة المتوقعة في الأقساط التأمينية بنحو 10 في المائة مقارنة بمستوياتها المسجلة قبل جائحة كوفيد-19.
وعلى مستوى الدول العربية، شهد قطاع التأمين نموا خلال الأعوام الأخيرة بالتزامن مع التطورات التي تشهدها اقتصادات المنطقة العربية التي تعزز الحاجة لخدمات التأمين، حيث بلغ إجمالي أقساط التأمين القائمة في نهاية عام 2020 ما يُقارب 39.5 مليار دولار أميركي لجميع أنواع التأمين التقليدية، والمتوافقة مع الشريعة مقابل 38.9 مليار دولار أمريكي في نهاية عام 2019. على الرغم من النمو المسجّل في الرصيد القائم لأقساط التأمين، إلا أنه لا تزال هناك فرص للاستفادة بشكل أكبر من خدمات القطاع بما يعكس الفرص المتاحة لنمو القطاع، حيث لا تتجاوز نسبة عمق التأمين (نسبة الأقساط التأمينية إلى الناتج المحلي الإجمالي) نحو 01.9 في المائة في الدول العربية كمجموعة. كذلك، تمثل الحصة السوقية لقطاع التأمين في الدول العربية ما نسبته 0.75 في المائة من السوق العالمية للتأمين، الأمر الذي يعكس أهمية مواصلة الجهود الساعية إلى تطوير هذا القطاع.
وأدت جائحة كوفيد-19 إلى تأثيرات متباينة على نشاط قطاع التأمين في الدول العربية، فمن جهة نتج عن الجائحة تراجع الأقساط التأمينية نتيجة انكماش القطاعات التي تشكل محركا أساسيا لنمو الاقتصادات العربية على غرار الصناعة والتجارة والسياحة والنقل، كما تأثرت نتائج أعمال شركات التأمين بسبب ارتفاع التعويضات المدفوعة في التأمين على الحياة والصحة. لكن في المقابل، زادت الجائحة والتأثيرات الناجمة عنها من مستويات الطلب على بعض خدمات التأمين لاسيما التأمين على الحياة، والتأمين الطبي، وتأمين العمليات التجارية، وأنشطة الأعمال ضد بعض المخاطر التي زادت أهميتها في أعقاب انتشار الجائحة.
ولوحظ في هذا الصدد، تفاوت تأثير الجائحة على قطاع التأمين من دولة عربية إلى أخرى، حيث كان التأثير محدودا في بعض الدول العربية، نتيجة حزم التحفيز المالي التي تم تبنيها للتخفيف من أثر الجائحة، والاتجاه إلى زيادة مستويات التأمين الطبي، علاوة على تمتع شركات التأمين في تلك الدول بملاءة مالية كافية مكنتها من تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه حملة الوثائق والمستفيدين في ظل الظروف الحالية. وفي المقابل، تأثر قطاع التامين في عدد من الدول العربية الأخرى نتيجة ارتفاع التعويضات المدفوعة للتأمين على الحياة والتأمين الطبي، وصعوبة تحصيل أقساط التأمين من قبل العملاء، علاوة على صعوبة عمليات إعادة التأمين بالأخص التأمين الطبي، وإحجام بعض حاملي الوثائق عن تجديدها مما انعكس سلبا على مستوى التدفقات النقدية والسيولة لدى شركات التأمين في بعض الدول العربية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض ملاءتها المالية.
وبين موجز السياسات اهتمام السلطات الرقابية المسؤولة عن قطاع التأمين في الدول العربية خلال عام 2020، بتبني عدد من المبادرات التي تستهدف تفعيل خطط استمرارية الأعمال لدى الشركات مما حافظ على مستوى الخدمات المقدمة من قبل شركات التأمين. كوسيلة للمحافظة على مراكز مالية متينة لشركات التأمين، عملت بعض الدول العربية على إصدار تعليمات بشأن آلية احتساب المخصصات الفنية لدى شركات التأمين، للأخذ بالاعتبار المطالبات التي سيتم تحملها مستقبلا بسبب الجائحة.
وبخصوص مستوى التحديات والمخاطر التي تواجه قطاع التأمين في الدول العربية، تتركز أبرز التحديات الرئيسة التي تواجه قطاع التأمين في الدول العربية في محورين أساسيين يتمثلان في تعزيز معدل الالتزام بتطبيق ممارسات الحوكمة السليمة بشكل متكامل بما ينسجم مع أفضل المعايير العالمية، حيث يساعد تطبيق ممارسات الحوكمة في تمكين قطاع التأمين في الدول العربية من تحقيق قدراته الكبيرة للنمو، إلى جانب تعزيز ثقة المتعاملين في السوق، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. من جهة أخرى، يؤثر إنخفاض مستوى التركيز على إدارة المخاطر على استمرار واستقرار نمو القطاع.
وتناول موجز السياسات إلى واقع وآفاق قطاع التأمين العربي مشيرا إلى الجهود التي تقوم بها السلطات الإشرافية المسؤولة عن التنظيم والرقابة على القطاع لدعم أنشطة القطاع من خلال تبني القوانين واللوائح التنظيمية والقيام بعمليات الرقابة الكفيلة بالتطوير المستمر للقطاع واحتواء المخاطر المرتبطة بأنشطته. كما تسعى في هذا السياق، إلى مواكبة مجموعة من المستجدات والتطورات، لعل من أهمها ما يتعلق بالحاجة إلى الامتثال إلى المعايير الدولية المنظمة للقطاع، واللحاق بركب التطور التقني في تقديم الخدمات التأمينية، وتوسيع فرص النفاذ إلى الخدمات التأمينية المختلفة والمتنوعة بما يتلاءم مع احتياجات مختلف شرائح المجتمع بهدف تعزيز مستويات الشمول المالي. علاوة على مواصلة مساعيها لإصدار تشريعات منظمة للقطاع تتيح إصدار تغطيات تأمينية بأسعار منافسة وابتكار منتجات جديدة تتناسب مع الاحتياجات المتنوعة للسكان وزيادة مستويات كفاءتها.
فيما أشار موجز السياسات إلى عدد من التوصيات على صعيد السياسات التي تستهدف مواصلة تطوير قطاع التأمين العربي، وتمكينه من الاستفادة من الفرص القائمة لاتساع نطاق التغطية التأمينية للأفراد والشركات، وبالتالي زيادة عمق قطاع التأمين العربي بما يدعم النمو والتنمية الاقتصادية في الدول العربية، منها أهمية تبني استراتيجيات وطنية لتطوير قطاع التأمين، والاستفادة من الفرص التي يتيحها التحول الرقمي لتطوير قطاع التأمين، إضافة إلى توسيع نطاق مظلة أنظمة التأمين الصحي، وتشجيع خدمات التامين متناهي الصغر.
كما لفت الموجز إلى أهمية تطوير سوق التأمين التكافلي في الدول العربية، والالتزام بالمعايير الدولية لقطاع التأمين، علاوة على تعزيز الجهود الرامية نحو رفع الوعي التأميني، والاستفادة من فرص تعزيز التعاون الإقليمي لتطوير قطاع التأمين العربي، وتشجيع شركات التأمين على تقديم خدمات تأمينية مستدامة، وتغطية المخاطر المناخية، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية.