بنوك عربية
أكد محللون اقتصاديون أن الأرقام الرسمية من مصرف ليبيا المركزي الصادرة مؤخراً عن انخفاض معدل التضخم في النصف الأول من العام 2025 لا تعكس بالضرورة تراجع تكلفة المعيشة، بل إن المستهلكين يلمسون ارتفاعًا في أسعار السلع اليومية، وهو ما يصفه خبراء بـ “الغلاء الصامت”.
وأظهرت بيانات رسمية حديثة عن مؤشر أسعار المستهلك أن معدل التضخم السنوي في ليبيا للنصف الأول من عام 2025 بلغ 1.4%، في تراجع نسبي مقارنة بالفترات السابقة.
وحسب التقرير الصادر عن مصرف ليبيا المركزي، فقد بقيت فئات الغذاء والمشروبات والسكن والمرافق الأساسية الأكثر تأثيرًا في المؤشر، بعد أن سجلت أسعارها ارتفاعًا تدريجيًّا منذ بداية العام، فيما إستقرت فئات أخرى مثل الاتصالات والتعليم وبعض السلع والخدمات عند مستويات محدودة. وارتفع المؤشر من 1.1% في يناير/كانون الثاني إلى 1.7% في يونيو/حزيران.
التضخم أعلى من المعلن رسميًّا
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي محمد الشيباني إن الأرقام الرسمية “تعكس فجوة واضحة مع الواقع الفعلي”، مشيرًا إلى أن “تقلبات سعر صرف الدينار وضعف القوة الشرائية يجعلان المواطن يواجه تضخمًا أعلى من المعلن”.
وبيّن الشيباني أن تقلبات سعر صرف الدينار في السوق الموازية تتسرب سريعًا إلى أسعار السلع الأساسية، خصوصًا تلك المستوردة مثل الحبوب والزيوت والدواء، ما يرفع كلفة المعيشة بشكل يفوق المؤشرات الرسمية”.
وأضاف الشيباني أن ضعف القدرة الشرائية للدينار، مقترنًا بتراجع الدخول الحقيقية للمواطنين، يجعل التضخم الملموس أعلى بكثير من التضخم المقاس. وأشار إلى أن المؤشر الرسمي يعتمد على سلة محددة من السلع والخدمات قد لا تعكس بدقة أولويات إنفاق الأسرة الليبية اليوم، حيث يذهب أكثر من 60% من دخل الأسرة المتوسطة إلى الغذاء والمرافق، وهي القطاعات الأكثر تعرضًا للتقلبات السعرية. وبالتالي، تُحدث أي زيادة طفيفة فيها أثرًا مباشرًا ومضاعفًا على حياة المواطن.
كما نبه الشيباني، إلى أن “التضخم في ليبيا ليس ظاهرة رقمية فقط، بل اجتماعية واقتصادية أيضًا؛ فهو يرتبط بعوامل مثل نقص السيولة، تقلبات العرض، واعتماد السوق على الاستيراد، إضافة إلى المضاربة والاحتكار. وهذه العناصر تجعل الأسعار تميل إلى “التصلب” نحو الأعلى، أي إنها ترتفع بسرعة مع الأزمات، لكنها نادرًا ما تعود إلى مستوياتها السابقة حتى بعد استقرار الأوضاع”.
من جهته، اعتبر الخبير المصرفي إبراهيم الحداد، أن البيانات المنشورة من المصرف المركزي “غير دقيقة وتحتاج إلى توضيح”. وتساءل في تصريحات: هل يعقل أن يكون التضخم في ليبيا 1.4% فقط، وهو أقل من كندا (1.9%)، الولايات المتحدة (2.7%)، بريطانيا (3.6%)، روسيا (8.8%)، تركيا (33.5%)، والأرجنتين (36.6%)؟”.
وأضاف الحداد أن المعدل الطبيعي للتضخم عالميًّا يراوح بين 2 و4%، مؤكدًا أن عوامل عدة تدفع الأسعار إلى الارتفاع في ليبيا، من بينها تكاليف الإنتاج، والاضطرابات في السوق، وزيادة الطلب والمعروض النقدي، ما يجعل من الضروري قراءة المؤشرات الرسمية بحذر.
في السياق ذاته، اعتبر الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري أن الأرقام المعلنة “لا تعكس الواقع الاقتصادي الفعلي”، مشددًا على أن خفض قيمة الدينار لا يمثل حلًّا لعجز الموازنة أو السحب من الاحتياطي الأجنبي، بل قد يقود إلى مزيد من الضغوط على السوق الموازية وارتفاع الأسعار، وهو ما يفاقم الأعباء على المواطنين.
ومطلع إبريل/نيسان، أعلن المصرف المركزي تخفيض سعر صرف الدينار بنسبة 13.3% أمام حقوق السحب الخاصة التي ترتبط بها العملة الليبية، لينخفض الدينار بالتالي أمام العملات الدولية الرئيسية ليصبح 5.56 دنانير مقابل الدولار، إضافة الى الضريبة المفروضة على النقد الأجنبي ليرتفع السعر الى 6.4 دنانير للدولار ويباع الدولار في السوق الموازي بنحو 7.8 دنانير.
وذكر مصرف المركزي احتياجات الاقتصاد الليبي من النقد الأجنبي 2024 بلغ 36 مليار دولار وتستورد ليبيا 85% من احتياجاتها من الخارج، وفي ليبيا تتصارع حكومتان على السلطة الأولى الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة ومقرها العاصمة طرابلس وتدير منها كامل غرب البلاد. والثانية حكومة أسامة حماد التي كلفها مجلس النواب قبل أكثر من ثلاثة أعوام ومقرها بنغازي وتدير شرق البلاد ومدناً بالجنوب، وتعتمد الحكومتان على الإنفاق “الموازي المزدوج”.