بنوك عربية
مع اقتراب مناقشة مشروع قانون المالية لعام 2026، تزداد المؤشرات على أن الجزائر تتجه نحو تمويل نقدي متسع للعجز، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن الوضع «تحت السيطرة».
فقد قال وزير المالية عبد الكريم بوزرد، خلال ختام النقاش في المجلس الشعبي الوطني، إن العجز المقدر بـ5 آلاف مليار دينار جزائريسيتم تمويله بالكامل عبر الدين الداخلي، مؤكدًا أنه «لا يشكل خطرًا على استقرار الأسعار أو التوازن الاقتصادي».
إطار نقدي أكثر مرونة
التعديلات الجديدة في مشروع قانون المالية تُظهر بوضوح تحول السياسة النقدية نحو مرونة أكبر لصالح الخزانة العامة.
فقد تم تخفيف القيود على السلف والاعتمادات الممنوحة من بنك الجزائر، ورفع الحدود القصوى، وتمديد آجال السداد، ومنح البنك المركزي حق التدخل «بشكل تقديري».
ما كان في السابق إجراءً استثنائيًا خلال أزمة التمويل غير التقليدي (2017-2019)، أصبح اليوم آلية دائمة تُستخدم لتغطية احتياجات الدولة، في شكل من أشكال الطباعة النقدية القانونية تحت عنوان «المرونة المالية».
مؤشرات نقدية مقلقة
تُظهر البيانات النقدية منذ سنوات اتجاهًا واضحًا نحو تسييل العجز تدريجيًا:
- ديون بنك الجزائر على الدولة تتزايد بوتيرة تفوق نمو الدين العام.
- الميزانية العمومية للبنك المركزي تتسع نتيجة ارتفاع حيازته من السندات الحكومية، لا بسبب تراكم الاحتياطات الأجنبية.
- القاعدة النقدية ومجاميع النقود (M1 وM2) تنمو بمعدل أسرع من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي.
- الائتمان للقطاع الخاص راكد، في حين تظل أسعار الفائدة على مزادات الخزانة مستقرة بشكل مصطنع، بدعم من النظام المالي العام.
كل ذلك يشير إلى أن التمويل النقدي للعجز لم يعد فرضية بل واقعًا فعليًا.
تضخم «مؤجل» وليس غائبًا
ورغم هذا التوسع في الكتلة النقدية، بقي التضخم رسميًا حول 5% في 2025. غير أن هذا الاستقرار النسبي لا يعكس التوازن الحقيقي، إذ يعتمد على ضوابط إدارية صارمة تشمل:
- استمرار الدعم الحكومي.
- تحديد أسعار سلع أساسية.
- استقرار الدينار بدعم من الاحتياطات.
- ضعف الطلب المحلي بسبب تراجع القدرة الشرائية.
وبذلك، فإن التضخم لم يُلغَ بل تم تأجيله، بينما تتراكم السيولة الفائضة في النظام البنكي، مكوّنة ضغطًا خفيًا على الأسعار في المدى المتوسط.
2026… عام اختبار الاستدامة
يعرض مشروع قانون المالية الجديد عجزًا غير مسبوق يعادل نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع تشبّع البنوك العامة بالسندات الحكومية، يبقى بنك الجزائر المركزي المصدر الواقعي الوحيد للتمويل.
القانون الجديد يمنح البنك المركزي صلاحيات شبه مطلقة لتقديم السلف والتسهيلات، ما يجعل الفاصل بين الدين والنقد نظريًا فقط.
ويرى مراقبون أن الجزائر تقترب من إعادة تجربة التمويل غير التقليدي، ولكن هذه المرة بشكل مقنن ودائم، ما قد يخلق مخاطر تضخمية مؤجلة إذا لم يُرافق بسياسة مالية منضبطة وإصلاح هيكلي حقيقي.
خلاصة
تبدو السياسة المالية الجزائرية متجهة نحو اعتماد واسع على التمويل الداخلي لتغطية عجز قياسي، في وقت لا تزال فيه مؤشرات الانفلات النقدي تتزايد تدريجيًا.
ورغم تأكيد الحكومة أن “الوضع تحت السيطرة”، فإن استمرار هذا النهج قد يجعل العام المالي 2026 اختبارًا حاسمًا لاستدامة النموذج المالي الجزائري بين المرونة النقدية وخطر التضخم المؤجل.