نتائج محدودة لخطة إنقاذ الدينار الليبي

بنوك عربية:

بعد مرور عام كامل على خطة مصرف ليبيا المركزي لإعادة تنظيم السياسة النقدية وضبط سعر الصرف، تكشف المؤشرات أن النتائج بقيت هامشية مقارنة بالأهداف المعلنة فالدينار الليبي لم يستعد عافيته، والفجوة بين السعر الرسمي والموازي اتسعت، والسيولة النقدية واصلت الاختناق في المصارف، بينما بقيت أدوات السياسة النقدية رهينة مشهد سياسي مشتت ومؤسسات منقسمة.

إجراءات بلا أثر

عندما أعلن المحافظ ناجي عيسى خطته في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي 2024، كانت الآمال معلّقة على حزمة إجراءات رأت فيها إدارة المصرف بداية إصلاح نقدي طال انتظاره، ومن بينها:

  • سحب وإبطال الأوراق النقدية القديمة من فئتي 20 و50 دينارًا.
  • فتح الباب أمام شركات صرافة جديدة لكسر احتكار السوق.
  • إعادة تنظيم صرف المرتبات عبر فروع المصارف.
  • نقل الإشراف الكامل على “الموزّع الوطني” إلى المصرف المركزي لتوحيد إدارة السيولة.

لكن رغم هذه الخطوات، ظلت السوق الموازية في موقع السيطرة:
السعر الرسمي للدولار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 كان 5.38 دنانير، بينما بلغ في السوق السوداء ما بين 7.35 و7.50 دنانير — بفجوة تتجاوز 20%، ما يؤكد ضعف تأثير التدخلات الرسمية.

لماذا فشلت الخطة؟

1. تمويل بالعجز.. والسيولة الوهمية

يقول الخبير المصرفي نعمان البوري إن جوهر المشكلة يكمن في طباعة نقد دون غطاء، وليس في وفرة السيولة كما يعتقد المركزي.
فسحب 47 مليار دينار من التداول لم يقلّص الكتلة النقدية، بل حوّلها من نقد متداول إلى أرصدة مصرفية خاملة، الأمر الذي عمّق أزمة الثقة ودفع المواطنين إلى تخزين النقد خارج المصارف.

2. إجراءات إدارية بلا سياسة نقدية متكاملة

يرى سليمان الشحومي، مؤسس سوق المال الليبي، أن ما جرى لم يكن خطة إصلاحية بل “ردود فعل إدارية”.
فالسوق لا تتغير بإبطال عملات قديمة أو فتح شركات صرافة، بل عبر إصلاح مالي شامل، تحكم في الإنفاق العام، وإدارة رشيدة للعائدات النفطية.

3. انقسام السلطة وضعف استقلالية المركزي

يؤكد الكاتب الاقتصادي إبراهيم السنوسي أن تعدد سلطات الرقابة والصرف يجعل المصرف المركزي عاجزًا عن فرض أي مسار إصلاحي عميق.
فالتجاذبات بين مراكز القوة تحوّل كل إجراء نقدي إلى خطوة ناقصة وسطحية.

4. بيئة مضاربات تغذيها الفجوة بين السعرين

اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي خلق بيئة خصبة للمضاربة والعملات الصعبة، ما جعل سعر الدينار في السوق السوداء هو الموجّه الفعلي للسوق وليس نشرات المصرف المركزي.

أرقام تعكس الواقع المرّ

  • السيولة لدى البنوك: فائض بنحو 50 مليار دينار، لكنه غير متداول فعليًا بين الناس.
  • التضخم (2024): نحو 15% وفق تقديرات دولية.
  • الإنفاق العام (2024): وصل إلى 77 مليار دينار، أغلبه نفقات جارية، ما يزيد الضغط على النقد الأجنبي.

هذه المؤشرات تكشف أن الدينار محاصر بين تضخم مرتفع، إنفاق غير منضبط، وانقسام سياسي يحدّ من قدرة المصرف المركزي على التحكم في السوق.

خلاصة: هل يمكن إنقاذ الدينار في غياب الاستقرار؟

تجربة عام كامل من الإصلاحات النقدية في ليبيا أظهرت أن أي خطة نقدية قصيرة المدى محكوم عليها بالفشل ما لم تسبقها:

  • وحدة مالية ونقدية كاملة.
  • سياسات إنفاق واقعية.
  • وقف التمويل بالعجز.
  • استقلالية حقيقية للمصرف المركزي.
  • إصلاحات مؤسسية تسبق الإصلاحات النقدية.

فالعملة — أي عملة — لا يمكن أن تقوى في ظل ضعف الدولة وانقسام مؤسساتها.
وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن إنقاذ الدينار قبل إنقاذ الدولة نفسها؟ أم سيظل التعافي النقدي رهين تسوية سياسية شاملة تعيد مركز القرار الاقتصادي إلى مؤسسات موحدة؟

منشورات ذات علاقة

 580.75 مليون درهم أرباح أم القيوين الإماراتي بنمو 15%

السعودي الاول يوقع اتفاقية شراء محفظة تمويل سكني

أصول البنوك السعودية المدرجة ترتفع إلى 1.24 تريليون دولار