بنوك عربية
مع دخول العام المالي الجاري 2026، لا تزال التعريفات الجمركية أحد أبرز أدوات الصراع الاقتصادي بين القوى الكبرى، وعنصرًا مؤثرًا في إعادة رسم خريطة التجارة العالمية، في سياق يتسم بتصاعد النزعات الحمائية وتراجع نموذج العولمة التقليدية.
فبعد أعوام من “التوترات” التجارية بين الولايات المتحدة والصين، واتساع نطاق القيود الجمركية ليشمل قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا والطاقة الخضراء والمعادن الحيوية، بات واضحًا أن الرسوم الجمركية لم تعد مجرد إجراءات ظرفية، بل تحولت إلى أداة دائمة ضمن سياسات الأمن الاقتصادي وحماية سلاسل التوريد.
ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يشهد عام 2026 استمرارًا، بل تعميقًا، لهذا التوجه، مع لجوء عدد متزايد من الدول إلى فرض تعريفات جمركية انتقائية لحماية صناعاتها المحلية، وتقليص الاعتماد على الواردات، خاصة في القطاعات الحساسة. هذا المسار يعزز منطق “إعادة التوطين” و”الصداقة التجارية” (Friendshoring)، حيث تفضل الدول التعامل مع شركاء سياسيين واقتصاديين موثوقين بدل الانفتاح غير المشروط.
غير أن لهذه السياسات كلفة واضحة. فارتفاع التعريفات الجمركية ينعكس مباشرة على الأسعار، ما يفاقم الضغوط التضخمية في بعض الاقتصادات، ويزيد من تكاليف الإنتاج، خصوصًا في الدول التي تعتمد بشكل كبير على المواد الأولية أو المدخلات المستوردة. كما أن الشركات متعددة الجنسيات تجد نفسها مضطرة لإعادة هيكلة سلاسل الإمداد، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية ويؤثر على هوامش الربح.
وفي الاقتصادات الناشئة، تخلق هذه التحولات واقعًا مزدوجًا. فمن جهة، قد تستفيد بعض الدول من إعادة توجيه الاستثمارات العالمية بحثًا عن بدائل للصين أو مراكز الإنتاج التقليدية، كما هو الحال في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ومن جهة أخرى، تواجه دول أخرى مخاطر الإقصاء من سلاسل القيمة العالمية، إذا لم تتمكن من التكيف مع القواعد التجارية الجديدة أو تحسين تنافسيتها.
أما على مستوى النظام التجاري العالمي، فإن استمرار استخدام التعريفات الجمركية كأداة ضغط سياسي واقتصادي يضعف دور منظمة التجارة العالمية، ويكرس منطق الاتفاقات الثنائية والإقليمية على حساب القواعد متعددة الأطراف، ما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
وبينما تسعى الحكومات إلى تحقيق توازن بين حماية اقتصاداتها الوطنية والحفاظ على انسيابية التجارة، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة الاقتصاد العالمي على تجنب الانزلاق نحو مزيد من التجزئة. ففي عالم مترابط، قد تؤدي الحواجز الجمركية، على المدى الطويل، إلى إبطاء النمو العالمي، وتعميق الفجوات بين الاقتصادات، بدل تحقيق الاستقرار المنشود.
وعليه، يبدو أن عام 2026 سيكون محطة مفصلية في مسار التجارة الدولية، حيث ستواصل التعريفات الجمركية لعب دور محوري في إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية، ليس فقط بين الدول الكبرى، بل على امتداد النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.