بنوك عربية
مع حلول شهر فبراير/شباط الجاري 2026، تبدأ حكومة تونس سداد أقساط الديون المستحقة بعنوان عام 2026، في وقت لا تزال فيه الأوضاع الاقتصادية والمالية هشة، وسط ضغوط داخلية متزايدة على الميزانية، وصعوبات مستمرة في النفاذ إلى التمويلات الخارجية.
وتكشف خريطة الدين العام لتونس خلال هذا العام أن الحكومة مطالبة، خلال شهري فبراير ومارس/آذار المقبلين، بسداد أكثر من 2.5 مليار دينار (نحو 862 مليون دولار) لفائدة البنوك المحلية. كما سيرتفع حجم الدين المستحق لدى البنك المركزي التونسي إلى نحو 25 مليار دينار (8.6 مليارات دولار) بنهاية العام الجاري، مقابل 14 مليار دينار (4.8 مليارات دولار) في نهاية عام 2025.
وتُظهر وثيقة تفاصيل الدين العام، التي اطلع “العربي الجديد” على نسخة منها، وهي وثيقة أنجزتها مؤسسة “تيرا فايننس” بناء على تقاطع بيانات نشرتها وزارة المالية ومؤسسة تونس للمقاصة وبورصة لوكسمبورغ، أنّ الدولة ستسدد قرابة 7.9 مليارات دينار أصل دين داخلي، مقابل 5.6 مليارات دينار فوائد، في حين سيبلغ سداد أصل الدين الخارجي نحو 7.9 مليارات دينار، إضافة إلى 1.6 مليار دينار فوائد. وعلى مستوى التمويل الداخلي، تشير التقديرات إلى أن الدولة تعتزم جمع أكثر من 19 مليار دينار من السوق المحلية خلال عام 2026، مع توجه واضح نحو تقليص إصدارات أذون الخزينة قصيرة الأجل مقارنة ببالعام المالي المنقضي 2025، وعدم اللجوء إلى قرض وطني جديد.
ضغط على السوق المحلية
في السياق، يقول الخبير المالي معز حديد ان إنّ استحقاقات الدين الداخلية ستشمل هذا العام سداد أقساط من القروض الوطنية السابقة، إضافة إلى أذون خزينة لأجل 52 أسبوعاً، وهو ما يضع السوق المالية المحلية في تونس أمام ضغط متواصل لتأمين السيولة اللازمة.
ويؤكد حديدان أنّ ” العام المالي الجاري 2026 تمثل محطة مفصلية على مستوى سداد الدين الخارجي، لا سيما مع حلول أجل سداد سندات اليورو بقيمة 700 مليون يورو في يوليو/تموز المقبل، وهي من أكبر الاستحقاقات الخارجية خلال العام، وتُقدَّر كلفتها بنحو 2.35 مليار دينار أصل دين، إضافة إلى فوائد تناهز 150 مليون دينار”.
ويشير إلى أنّ السلطات التونسية تعوّل على العودة إلى الأسواق المالية الدولية لتعبئة تمويلات جديدة، وهي خطوة لم تُقدم عليها تونس منذ عام 2019، ما يجعلها محفوفة بالتحديات في ظل تراجع التصنيف السيادي وارتفاع كلفة الاقتراض. ويوضح أنّ “أرقام 2026 تكشف عن معادلة دقيقة تحاول الدولة إدارتها بين الإيفاء بتعهداتها المالية من جهة، وعدم تعميق المديونية أو إثقال كاهل الميزانية من جهة أخرى”.
تصاعد التداين العمومي
وكشفت دراسة حديثة نشرها المرصد التونسي للاقتصاد عن استمرار المنحى التصاعدي للتداين العمومي في تونس، إذ صادق مجلس نواب الشعب خلال السنتين البرلمانيتين 2023–2024 و2024–2025 على 35 قرضاً بقيمة جملية تناهز 27.5 مليار دينار (9.5 مليارات دولار)، في سياق اقتصادي يتسم بشح الموارد الذاتية وتفاقم عجز الميزانية. ووفق الدراسة، يعكس هذا التوسع في الاقتراض “خياراً مالياً بات هيكلياً، إذ لم يعد التداين استثناءً لتمويل المشاريع الكبرى، بل أداة أساسية لتغطية النفقات العمومية وسداد ديون سابقة، ما يفاقم أعباء الأجيال الحالية والمقبلة” في تونس.
وبلغ حجم الدين العمومي لتونس بنهاية عام 2024 نحو 136.6 مليار دينار (47.1 مليار دولار)، مقابل 47.3 مليار دينار (16.3 مليار دولار) فقط عام 2015، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف خلال أقل من عشر سنوات. كما تضاعفت خدمة الدين العمومي ست مرات بين عامي 2011 و2024، وسجلت أعلى نسبة زيادة خلال العام 2023 بنحو 45%، نتيجة تراكم أصل الدين وارتفاع آجال السداد.
وتبرز الدراسة تحولاً لافتاً في بنية القروض، إذ مثّل الاقتراض الداخلي 57% من إجمالي القروض المصادق عليها في تونس خلال السنتين البرلمانيتين، مقابل 43% فقط قروضاً خارجية. وبلغت هذه النسبة ذروتها في العام البرلماني 2024–2025، حين استحوذ الاقتراض الداخلي على 64% من إجمالي القروض. ويرجع المرصد التونسي للاقتصاد تضخم الدين الداخلي إلى تراجع النفاذ إلى التمويلات الخارجية منذ تعليق التعاون المالي مع صندوق النقد الدولي أواخر عام 2022، ما دفع الدولة إلى التعويل المتزايد على البنك المركزي والبنوك المحلية.
وتشير الدراسة إلى هيمنة المؤسسات متعددة الأطراف على تركيبة الدين الخارجي، إذ لا تزال مؤسسات مثل البنك الدولي، والبنك الأفريقي للتنمية، والبنك الأوروبي للاستثمار، في صدارة المقرضين الخارجيين لتونس، رغم تسجيل تراجع نسبي في حجم تمويلاتها. كما لفت إلى توجيه جزء مهم من القروض لتمويل ميزانية الدولة وقطاع الطاقة، بدل الاستثمار المنتج. وخلصت دراسة المرصد التونسي للاقتصاد إلى أنّ السيادة المالية لتونس “لا تزال تحت ضغوط مرتفعة”، محذراً من أن شروط القروض، ولا سيما المرتبطة بالإصلاحات والخيارات الاقتصادية، “قد تمثل تهديداً للسيادة الوطنية، في ظل غياب رؤية شاملة لإدارة الدين وربطه بأهداف التنمية والعدالة الاجتماعية”.