بنوك عربية
يُتوقع أن تتوجه خزينة المغرب إلى الأسواق الدولية خلال العام الحالي بهدف اقتراض 6 مليارات دولار أمريكي، لتمويل الاستثمارات التي أقرتها الموازنة العامة. وتضطلع هذه الاستثمارات بدور حاسم في دعم النمو الاقتصادي، رغم تصاعد المخاوف من مخاطر الإفراط في الاستدانة الخارجية.
وأشار مركز أبحاث “التجاري غلوبال ريسيرتش” إلى أن مديونية الخزينة بشقيها، الداخلي والخارجي، بلغت 127 مليار دولار العام الماضي، موضحاً أن الدين الخارجي قفز ما بين عامي 2024 و2025 من 28 مليار دولار إلى 34 مليار دولار؛ نتيجة استمرار لجوء الخزينة إلى الأسواق الدولية، علماً أن هذه الأرقام لا تشمل مديونية الشركات الحكومية والجماعات المحلية المضمونة من قبل الدولة.
من جهتها، تشير الحكومة إلى أن مديونية الخزينة تراجعت من 67.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 إلى 67.2%، متوقعة خفض هذا المعدل إلى 64% في أفق عام 2028. ويأتي التعويل على الاقتراض في ظل رفع نفقات الاستثمار في الميزانية العامة للعام الحالي إلى 13.4 مليار دولار، ما يساهم في تعزيز الاستثمار العمومي الذي يُنتظر أن يصل إلى 38 مليار دولار عند احتساب استثمارات المؤسسات الحكومية والجماعات الترابية.
ويركز المغرب على الاستثمار في مشاريع البنية التحتية الطرقية والمائية، حيث تعتمد المؤسسات الحكومية والجماعات المحلية في تمويل جزء من مشاريعها على قروض خارجية بضمانة الدولة. ورغم التوقعات باقتراض 6 مليارات دولار هذا العام، إلا أن المبلغ الفعلي قد يقل عن هذا السقف؛ ففي العام الماضي، اقترض المغرب 4.8 مليارات دولار رغم أن الحكومة كانت تترقب الحصول على 6 مليارات دولار.
مؤشرات إيجابية وإشادة دولية
يستفيد المغرب في الظرفية الحالية من وضعية اقتصادية وموازنية مواتية؛ حيث أكد صندوق النقد الدولي أخيراً انخفاض عجز الموازنة إلى 3.5% العام الماضي، مقابل 3.8% كانت متوقعة. وأكدت رئيسة بعثة الصندوق التي زارت المغرب أخيراً، لورا جاراميو، أن المديونية الخارجية للمغرب لا تزال تحت السيطرة، ورغم ارتفاعها منذ الجائحة، إلا أنها بقيت في حدود 27% من إجمالي مديونية الخزينة.
وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير في المالية العمومية، محمد الرهج، أن المؤشرات الاقتصادية تدعم توجه المغرب نحو الاقتراض الخارجي، خصوصاً مع تحقيق نمو اقتصادي بلغ 4.9% العام الماضي، وهو المعدل ذاته المرتقب للعام الحالي. ويشدد الرهج ف على أن هذا التوجه يعززه التحكم في عجز الموازنة وارتفاع الإيرادات الجبائية (الضريبية) التي زادت بمقدار 4.38 مليارات دولار العام الماضي، ومن المتوقع استمرار نموها في أفق 2030.
قفزة في الإيرادات الضريبية
تكشف بيانات تطور إيرادات الخزانة أن مستوى الاستدانة كان سيكون أعلى لولا القفزة الكبيرة في الإيرادات الجبائية، التي ارتفعت من 22.3 مليار دولار نهاية عام 2021 إلى 36 مليار دولار العام الماضي، ما دعم الإيرادات العادية للموازنة بشكل ملموس.
ويرى مراقبون أن المغرب يراهن على الاقتراض هذا العام في سياق يتسم بضعف الدولار مقابل العملات العالمية والتوترات الجيوسياسية المؤثرة في الأسواق. ولا يقتصر لجوء المغرب إلى الاقتراض على طرح السندات الدولية، بل قد يعمد إلى تعبئة قروض عبر مؤسسات ومصارف دولية لتفادي التكاليف المرتفعة.
مخاوف من أعباء الأجيال القادمة
رغم ذلك، لم يخلُ الأمر من نقاشات حول مخاطر الاستدانة؛ حيث يحذر خبراء من القروض الآتية من مقرضين خواص لكونها مكلفة رغم تنويعها لمصادر التمويل. ويشدد محللون على أن الديون الحالية قد تثقل كاهل الأجيال المقبلة، ما يفرض استخدام الفوائض المالية لتسريع خفض الدين إلى مستوياته ما قبل الأزمة الصحية.
ويؤكد الاقتصادي رضوان الطويل ضرورة استحضار بنية الدين التي يهيمن عليها الدين الداخلي، وهو ما يمثل تحويلاً للمدخرات المحلية إلى الدولة. ويضيف الطويل أن الدين الخارجي، رغم مخاطره، يساهم في دعم رصيد النقد الأجنبي، وتكون له فوائد كبرى عندما يوجه لاستثمارات حيوية مثل بناء المستشفيات والمدارس، ما يضمن للأجيال القادمة خدمات تعليمية وصحية ذات جودة عالية.