الجزائر تبحث الشمول المالي

بنوك عربية

في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والمالية، تطرح الجزائر إشكالية الشمول المالي كأحد أهم محاور الإصلاح البنكي والاقتصادي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بفعالية الاستثمار، ومحاربة الاقتصاد الموازي، وتعزيز النمو خارج قطاع المحروقات.

وفي حوار، خص به “الأيام نيوز”، قدّم الخبير الاقتصادي، بشير مصيطفى، قراءة معمقة لواقع المنظومة المالية الجزائرية، وتحدياتها البنيوية، وأولويات إصلاحها.

“الأيام نيوز”: كيف تقيّمون واقع الشمول المالي في الجزائر اليوم، وما أبرز الاختلالات التي تعيق توسعه بشكل فعّال؟

بشير مصيطفى: لا يمكن قراءة واقع الشمول المالي في الجزائر بمعزل عن المسار التاريخي الذي عرفه القطاع المالي منذ بداية التسعينيات، حين انتقلت البلاد من نظام تسيير إداري للاقتصاد إلى مرحلة التحرير التدريجي، في سياق ضغوط اقتصادية خانقة تمثلت في مديونية خارجية قاربت 33 مليار دولار، وتضخم مرتفع، وعجز في التوازنات الكلية، إضافة إلى إعادة هيكلة عميقة للمؤسسات العمومية.

في تلك المرحلة، جاء قانون النقد والقرض للعام 1991 ليؤسس لمرحلة جديدة سمحت بانفتاح القطاع البنكي، وظهور البنوك الخاصة والأجنبية، وإطلاق السوق المالية بداية من 1993.

غير أن تقييم اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، يكشف أن الشمول المالي لا يزال دون المستوى المطلوب. فعدد الوكالات البنكية العمومية لا يتجاوز 1186 وكالة، وهو ما يعكس محدودية الانتشار الجغرافي، كما أن عدد الحسابات البنكية يقدَّر بنحو 7 ملايين حساب فقط، أي ما يقارب 25% من البالغين، في حين يتجاوز المعدل العالمي 70%.

هذه المؤشرات تعكس أن النظام البنكي لم يتحول بعد إلى شبكة مالية شاملة قادرة على إدماج كل الفئات الاقتصادية، ما يجعل الشمول المالي في الجزائر مشروعًا غير مكتمل البناء.

“الأيام نيوز”: تحدثتم عن مفهوم “اليقظة البنكية والمالية”، كيف يمكن ترجمته عمليا؟

بشير مصيطفى: اليقظة البنكية والمالية تعني الانتقال من التسيير التقليدي إلى إدارة استباقية قائمة على المعلومة والتحليل والاستشراف.

وتجسيد هذا المفهوم يتطلب إنشاء خلية وطنية متخصصة على مستوى بنك الجزائر أو وزارة المالية، تعمل وفق ثلاثة محاور رئيسية والتي تتمثل في فريق يتولى تشخيص المنظومة البنكية واستشراف تطورها إلى غاية 2050، فريق لجمع وتحليل البيانات المالية والبنكية بشكل دوري ودقيق، وفريق مكلف بصياغة السياسات النقدية والمالية على المدى القصير والمتوسط والبعيد.

هذا النموذج يسمح بالانتقال من قرارات ظرفية إلى سياسات مبنية على رؤية استراتيجية واضحة، وهو شرط أساسي لحوكمة مالية فعالة.

“الأيام نيوز”: إلى أي مدى يشكل حجم السيولة خارج البنوك خطرا على الاقتصاد الوطني؟

بشير مصيطفى: تشكل السيولة المتداولة خارج النظام البنكي أحد أخطر الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الجزائري، حيث تُقدّر بحوالي 9000 مليار دينار، أي ما يعادل 37% من الكتلة النقدية الإجمالية.

هذا الوضع يترتب عليه عدة انعكاسات خطيرة، أهمها حرمان البنوك من موارد مالية مهمة كان يمكن توجيهها نحو الإقراض وتمويل الاستثمار، إضافة إلى إضعاف قدرة النظام البنكي على تلبية احتياجات المؤسسات والأفراد.

كما يساهم هذا الوضع في ارتفاع الضغوط التضخمية نتيجة ضعف التحكم في الكتلة النقدية، ويحد من فعالية السياسة النقدية لبنك الجزائر.

إلى جانب ذلك، يؤدي إلى توسع الاقتصاد الموازي، وما ينتج عنه من تهرب ضريبي وضعف في الشفافية الاقتصادية، كما يؤثر سلبًا على قيمة العملة الوطنية.

وبالتالي، فإن السيولة خارج البنوك لا تمثل مجرد خلل تقني، بل تعكس ضعفا في التحكم الكلي في التوازنات الاقتصادية.

“الأيام نيوز”: ما تفسيركم لضعف الادخار العائلي مقابل النزعة الاستهلاكية؟

بشير مصيطفى: هذه الظاهرة تعود إلى تداخل ثلاثة عوامل رئيسية، العامل الأول سوسيولوجي، يرتبط بثقافة اجتماعية تعتبر أن الادخار في البنوك التقليدية غير ملائم دينيًا بسبب نظام الفوائد.

العامل الثاني نفسي، ويتمثل في ضعف الثقة في النظام البنكي نتيجة محدودية جودة الخدمات المصرفية.

أما العامل الثالث فهو اقتصادي، حيث تدفع محدودية القدرة الشرائية الأسر إلى توجيه دخلها نحو الاستهلاك بدل الادخار، خاصة في ظل وجود بدائل استثمارية في الاقتصاد الموازي توفر عوائد أسرع.

وبالتالي، فإن سلوك الادخار في الجزائر لا تحدده العوامل المالية فقط، بل منظومة معقدة من العوامل الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

“الأيام نيوز”: لماذا تتردد البنوك في تمويل القطاعات الإنتاجية؟

بشير مصيطفى: تحفّظ البنوك في تمويل القطاعات الإنتاجية، مثل الفلاحة والمؤسسات الناشئة، يعود إلى عدة أسباب هيكلية.

أولها ضعف السيولة البنكية الناتج عن محدودية الادخار، وثانيها هيمنة الحسابات الجارية على حسابات الاستثمار، ما يقلل من قدرة البنوك على التمويل طويل الأجل.

كما أن غياب منظومة فعالة لتأمين القروض يزيد من مستوى المخاطر، إضافة إلى ضعف ثقافة المخاطرة داخل بعض المؤسسات البنكية.

كذلك، يساهم توسع الاقتصاد الموازي في خلق منافسة غير رسمية للنظام البنكي، بينما تبقى محدودية رؤوس أموال بعض البنوك عاملًا إضافيًا يقيّد قدرتها على التوسع في التمويل.

لهذا، تميل البنوك إلى التمويل الآمن بدل الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.

“الأيام نيوز”: هل يحدّ نموذج التمويل القائم على الخزينة من الاستثمار الخاص؟

بشير مصيطفى: تلعب الخزينة العمومية دورا محوريا في تمويل الاقتصاد بفضل العائدات النفطية والجباية، غير أن هذا النموذج يظل مرتبطا بمصادر تمويل هشة نسبيا، نظرا لتقلب أسعار المحروقات وضيق الوعاء الضريبي.

ومن منظور استراتيجي، أصبح من الضروري الانتقال نحو بدائل أكثر استدامة، من خلال تفعيل صناديق الاستثمار العمومية والخاصة، وتطوير السوق المالية وجذب المؤسسات للإدراج.

كما يشكل تعزيز التمويل الإسلامي وتوسيع أدواته أحد المسارات الواعدة لتعبئة الادخار، بما يسمح بتقليل الاعتماد على الريع النفطي وتنويع مصادر التمويل.

الأيام نيوز”: ما الذي يعيق تطور بورصة الجزائر؟

بشير مصيطفى: ضعف بورصة الجزائر يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الاعتماد الكبير على التمويل العمومي، وضعف ثقافة الإدراج داخل المؤسسات الاقتصادية.

كما أن غياب ثقافة التمويل عبر السوق المالي، والضغط الضريبي على الشركات، يحدّ من جاذبية البورصة، إضافة إلى ذلك، فإن وفرة السيولة خارج النظام البنكي تقلل من حاجة المؤسسات إلى اللجوء إلى السوق المالية، إلى جانب صعوبة شروط الإدراج بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.كل هذه العوامل جعلت من البورصة قناة تمويل محدودة التأثير.

“الأيام نيوز”: كيف تفسرون الفجوة بين الحسابات البريدية والمصرفية؟

بشير مصيطفى: هذه الفجوة تعود إلى عدة أسباب مترابطة، فالبريد يتمتع بانتشار جغرافي واسع مقارنة بالبنوك، إضافة إلى إلزامية فتح حسابات بريدية لصب الرواتب، كما أن ضعف ثقافة الادخار لدى الأسر، وسلوك السحب الفوري للأجور، يعززان تفضيل الحسابات البريدية.

إلى جانب ذلك، فإن غياب محفزات قوية للادخار البنكي يقلل من جاذبية النظام المصرفي التقليدي.

“الأيام نيوز”: ما هي أولويات الإصلاح البنكي لتحقيق شمول مالي مستدام؟

بشير مصيطفى: أولويات الإصلاح البنكي في الجزائر يجب أن تقوم على خمسة محاور أساسية، تتمثل في تسريع الرقمنة الشاملة للقطاع المالي، تحرير القطاع البنكي لتعزيز المنافسة، إلى جانب تطوير أدوات جذب السيولة وتنويع المنتجات البنكية، وتوسيع الانتشار الجغرافي للبنوك وفق معايير الشمول المالي، مع إعادة تأهيل الموارد البشرية البنكية وفق معايير الجودة الشاملة، هذه الإصلاحات تمثل مدخلا ضروريا لبناء نظام مالي حديث قادر على دعم التنمية الاقتصادية.

منشورات ذات علاقة

CIB مصر يطرح وديعة سنوية بعائد 17%

بيتك الكويتي الأول محلياً ضمن قائمة «فوربس الشرق الأوسط»

الكويت الوطني يطلق حساب توفير رقمياً بثلاث ميزات ذكية