بنوك عربية
تتفاقم أزمة السيولة في ليبيا مجددًا، مع لجوء بعض المواطنين إلى ما يُعرف بـ«حرق الصكوك» كوسيلة احتجاجية تعكس فقدان الثقة في المنظومة المصرفية، في مشهد يعيد إلى الواجهة إخفاقات إدارة النقد والسيولة، ويكشف عمق الاختلالات المالية التي تعيشها البلاد.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تداول ناشطون ومواطنون مقاطع وصورًا تُظهر إقدام أفراد على إتلاف صكوك مصرفية حصلوا عليها بدلًا من النقد، بعد عجزهم عن صرفها أو الاستفادة منها، في ظل القيود المشددة التي تفرضها المصارف التجارية على السحب النقدي، وتراجع السيولة المتاحة داخل الفروع.
ويؤكد مراقبون أن هذه الظاهرة ليست سلوكًا فرديًا معزولًا، بل تعبير صارخ عن انسداد القنوات المصرفية الرسمية، وعجز النظام المالي عن تلبية أبسط احتياجات المواطنين اليومية، لا سيما مع اضطرار كثيرين إلى الوقوف لساعات طويلة منذ الفجر لسحب مبالغ محدودة لا تغطي سوى الحد الأدنى من نفقاتهم.
إنفاق مزدوج وضغوط على الدينار
وتعود جذور الأزمة، بحسب خبراء اقتصاديين، إلى الانقسام المؤسسي المستمر وغياب موازنة عامة موحدة، ما أدى إلى توسّع الإنفاق العام خارج أطر قانونية واضحة، وتزايد الضغط على النقد الأجنبي، وانعكاس ذلك مباشرة على السيولة المحلية.
وكان مصرف ليبيا المركزي قد أقرّ في بيانات سابقة بأن الإنفاق المزدوج من حكومتين متنافستين ساهم في اتساع الفجوة بين العرض والطلب على العملات الأجنبية، وأدى إلى ضغوط متزايدة على سعر الصرف، وتآكل قيمة الدينار الليبي، الأمر الذي انعكس على قدرة المصارف على توفير النقد.
وبحسب بيانات رسمية، بلغ الإنفاق العام خلال عام 2024 نحو 224 مليار دينار، مقابل إيرادات لم تتجاوز 136 مليار دينار، ما خلّف فجوة مالية كبيرة لا تزال تداعياتها مستمرة، في ظل غياب أدوات فعالة لإدارة السيولة والتحكم في الكتلة النقدية.
احتجاج صامت وفقدان ثقة
ويرى مختصون في الشأن المصرفي أن «حرق الصكوك» يمثل احتجاجًا صامتًا لكنه شديد الدلالة، ويعكس فقدان الثقة بين المواطن والمصارف، محذرين من أن استمرار الأزمة قد يدفع إلى توسّع التعامل النقدي خارج النظام المصرفي، ويعزز الاقتصاد الموازي، بما يحمله من مخاطر على الاستقرار المالي.
كما حذّروا من أن الحلول الظرفية، مثل طباعة العملة أو فرض قيود إدارية إضافية، لن تعالج جوهر المشكلة، ما لم تُقترن بإصلاحات هيكلية تشمل توحيد السياسات المالية، وإقرار موازنة شفافة، وتعزيز استقلالية المصرف المركزي، وتحسين إدارة النقد والسيولة.
آمال بإصلاحات مؤجلة
وفي ظل هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى الترتيبات المالية المرتقبة للعام المالي المقبل 2026، والتي يُفترض أن تشمل إعداد موازنة استيرادية وضبط الإنفاق العام، غير أن الشارع الليبي لا يزال متشككًا في قدرة المؤسسات على تحويل الوعود إلى إصلاحات ملموسة تُنهي معاناة السيولة، وتعيد الثقة المفقودة في النظام المصرفي.
ويبقى «حرق الصكوك» مؤشرًا خطيرًا على أزمة أعمق، تتجاوز نقص النقد إلى خلل بنيوي في إدارة الاقتصاد، ما لم يُعالج بإرادة سياسية وإصلاح مالي شامل يضع حدًا لانهيار الثقة ويعيد الاستقرار النقدي إلى البلاد.
وبحث محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بمقر رئاسة الوزراء ظهر يوم الأربعاء 2025/12/17 الأوضاع المالية والجهود المبذولة لضمان توفير السيولة النقدية وتحسين مستوى الخدمات المصرفية.
وأكد مسؤول بمصرف ليبيا المركزي أن قرار طباعة نحو 60 مليار دينار ليبي يندرج في إطار حلول مؤقتة لمعالجة أزمة السيولة النقدية التي تعاني منها البلاد، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء يهدف إلى تلبية الطلب المتزايد على النقد وتحسين قدرة المصارف على تلبية احتياجات المواطنين اليومية.
مواضيع ذات صلة:
