بنوك عربية
يتواصل الجدل في ليبيا حول مستقبل سعر صرف الدينار الليبي، في ظل الارتفاع المتسارع للدولار في السوق الموازية، واتساع الفجوة بشكل غير مسبوق بين الأسعار الرسمية وغير الرسمية، وهو ما يعكس هشاشة التوازنات النقدية والمالية، ويعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة من سيناريوهات خفض جديد لقيمة العملة وما قد يترتب عليها من ضغوط معيشية متزايدة.
وسجّل سعر الدولار في السوق الموازية نحو 8.75 دنانير منذ مطلع العام الجاري، في حين اقترب سعر الصرف عبر الشيكات المصرفية من 10 دنانير، مقابل سعر رسمي حدده مصرف ليبيا المركزي عند 5.40 دنانير، وسعر رسمي مشمول بالضريبة يبلغ 6.40 دنانير للدولار.
وتشير هذه الأرقام إلى فجوة تصل إلى نحو 36.7% بين السعر الرسمي المشمول بالضريبة وسعر السوق الموازية، وهي نسبة يعتبرها اقتصاديون دليلاً واضحاً على اختلال عميق في إدارة سياسة النقد الأجنبي، وعجز الإجراءات المعتمدة حتى الآن عن كبح نشاط السوق السوداء.
ويرى محللون أن تعدد أسعار الصرف لا يعكس فقط ضغوط الطلب على الدولار، بل يكشف أيضاً عن أزمة ثقة متفاقمة في السياسات النقدية والمالية، في ظل غياب ميزانية عامة موحدة، واستمرار الإنفاق المرتفع، إلى جانب تراجع الإيرادات النفطية عن المستويات المستهدفة.
وفي هذا السياق، دعا الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة مصرف ليبيا المركزي إلى إلغاء الضريبة المفروضة على سعر الصرف، تنفيذاً للأحكام القضائية الصادرة بهذا الشأن، وإلغاء الرسم المتبقي البالغ 15% على مبيعات النقد الأجنبي، مع التشديد على ضرورة عدم المساس بسعر صرف الدينار تمهيداً لاستعادة استقراره.
كما طالب أبوسنينة مجلس النواب بإقرار ميزانية عامة موحدة ومتوازنة لعام 2026، لا يتجاوز فيها الإنفاق العام 120 مليار دينار، مع التزام المصرف المركزي بعدم تمويل أي إنفاق يفوق الإيرادات الفعلية، شريطة التزام المؤسسة الوطنية للنفط بتوريد كامل إيرادات النفط إلى المصرف المركزي.
ودعا، في حديثه لـ«العربي الجديد»، إلى وقف سياسة مبادلة النفط الخام بالمحروقات، وإنهاء أسلوب الدفع بالإنابة الذي تعتمده بعض الشركات الأجنبية، إلى جانب ترشيد الإنفاق العام، والبدء في تنفيذ إصلاحات اقتصادية تشمل المالية العامة ونظم جباية وتوريد عائدات المحروقات المباعة محلياً، مع وضع أولويات صارمة للمشاريع التنموية وبرمجتها على مدى زمني متوسط، وتوجيه أي فوائض مالية نحو سداد الدين العام.
من جهته، استعاد الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، تجربة فرض الرسوم على بيع العملة الأجنبية، مشيراً إلى أن المجلس الرئاسي فرض في سبتمبر/ أيلول 2018 رسماً بنسبة 183%، ما رفع سعر الدولار من 1.4 دينار إلى 3.65 دنانير، وحقق إيرادات قُدّرت بنحو 51 مليار دينار.
وأوضح الفيتوري لـ«العربي الجديد» أن إلغاء هذا الرسم مطلع عام 2021 ترافق مع خفض قيمة الدينار بنسبة 70%، ليصل سعر الدولار إلى 4.48 دنانير، معتبراً أن أثر هذا الخفض كان أقوى على سعر الصرف من أثر الرسم نفسه.
بدوره، حذّر أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد الحميد الفضيل من أن العام المالي الجاري 2026 قد يشهد تكراراً للأزمة النقدية نفسها ولكن بوتيرة أشد، في ظل تسريبات عن حزمة إجراءات محتملة، من أبرزها خفض جديد لقيمة الدينار مقابل وحدة حقوق السحب الخاصة مع إلغاء الضريبة، ليقترب السعر من 6.35 دنانير للدولار.
وبحسب الفضيل، تشمل هذه الإجراءات أيضاً بدء التشغيل الفعلي لمكاتب وشركات الصرافة، وفرض موازنة استيرادية تتضمن قيوداً على الواردات، وتسعيرة جبرية للسلع المستوردة عبر الاعتمادات المستندية، إضافة إلى تشديد الرقابة على عمليات بيع النقد الأجنبي من خلال شركات مراجعة دولية.
غير أنه حذّر من أن القضايا الجوهرية، وعلى رأسها غياب الميزانية الموحدة، واستمرار المقايضة وبيع النفط بالإنابة، لا تزال عالقة، مؤكداً أن «أي معالجة جزئية لن تكون كافية ما لم تُحل هذه الإشكالات من جذورها».
