بنوك عربية
شهد منصب محافظ بنك الجزائر المركزي خلال الأعوام العشرة الأخيرة تواتراً لافتاً في الإقالات والتعيينات، ما أثار تساؤلات واسعة حول مدى الاستقرار داخل هذه المؤسسة السيادية، التي تمثل الركيزة الأساسية للسياسة النقدية وحماية التوازنات الاقتصادية في البلاد. فقد تداول على هذا المنصب خمسة محافظين في أقل من عقد واحد، في مؤشر غير مسبوق في تاريخ البنك المركزي.
وكان آخر هذه التغييرات إنهاء مهام محافظ بنك الجزائر، صلاح الدين طالب، في 04 يناير/كانون الثاني 2025، بعد ثلاثة أعوام ونصف العام قضاها على رأس المؤسسة، منذ تعيينه في مايو/أيار 2022. ويُعد طالب من الوجوه البارزة في القطاع النقدي، إذ سبق له شغل منصب رئيس مجلس النقد والقرض، الهيئة التابعة للبنك المركزي والمخولة بتنظيم القطاعين المالي والمصرفي.
وجاءت إقالة طالب بعد أسبوعين فقط من تعميم أصدره بصفته محافظاً للبنك المركزي، بتاريخ 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، يقضي بمنع إيداع الأموال نقداً في الحسابات البنكية التجارية. وقد أثار هذا القرار جدلاً واسعاً في الجزائر، نظراً للاعتماد الكبير على التعاملات النقدية في الاقتصاد، سواء في الادخار أو المبادلات التجارية، واعتُبر من قبل كثيرين تهديداً مباشراً للسيولة.
وفي اليوم نفسه الذي أُعلن فيه إنهاء مهام طالب، أصدر بنك الجزائر تعميماً جديداً ألغى قرار حظر الإيداع النقدي، مؤكداً العودة إلى العمل بالإجراءات السابقة. وأوضح التعميم أن عمليات تموين الحسابات يمكن أن تتم عبر وسائل الدفع الكتابية أو نقداً، وفقاً لحجم النشاط اليومي والأسبوعي، وبما يتماشى مع الملف الشخصي للزبون وتدابير اليقظة المعتمدة على مقاربة المخاطر.
سلسلة تغييرات متواصلة
وقبل صلاح الدين طالب، شغل رستم فاضلي منصب محافظ بنك الجزائر منذ سبتمبر/أيلول 2020، غير أن ولايته لم تدم سوى 21 شهراً، إذ أُقيل في مايو/أيار 2022. أما خلال الفترة الممتدة بين أبريل/نيسان 2019 وسبتمبر/أيلول 2020، فقد تولى رئيس الوزراء الأسبق أيمن بن عبد الرحمن منصب المحافظ بالنيابة، قبل أن يغادره عقب تعيينه وزيراً للمالية.
كما قاد محمد لوكال البنك المركزي بين مايو/أيار 2016 وأبريل/نيسان 2019، قبل أن يُعيّن وزيراً للمالية في حكومة تصريف الأعمال برئاسة نور الدين بدوي، التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. ويُعد محمد لكصاصي الاستثناء الأبرز في تاريخ المنصب، إذ شغل مهام محافظ بنك الجزائر لمدة 15عاما متواصلا، من 2001 إلى 2016، وهي فترة انتهت مع الصدمة النفطية وتراجع احتياطات النقد الأجنبي.
قراءة في الخلفيات الاقتصادية
ويرى الخبير والمستشار المالي والمصرفي مصطفى زروالي أن هذا التغيير المتكرر في قيادة بنك الجزائر لا يمكن عزله عن التحولات الاقتصادية والنقدية العميقة، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي. وأكد زروالي، في تصريح لـ«العربي الجديد»، أن ما يُنظر إليه كحالة عدم استقرار يعكس في الواقع تعاطياً براغماتياً مع معطيات متغيرة تفرض قرارات سريعة أحياناً.
وأوضح أن العالم يشهد تحولات جذرية في طبيعة النقد، في ظل الثورة الرقمية، إلى جانب عودة السياسات النقدية التضخمية المعتمدة على طبع النقود، وتصاعد التوجهات الحمائية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، ما أدى إلى تغيير القواعد التي حكمت النظام النقدي العالمي لعقود.
وأشار إلى أن الجزائر بدورها تبنت استراتيجية وطنية للرقمنة، يُعد الشمول المالي أحد محاورها الأساسية، وأن للبنك المركزي دوراً محورياً في إنجاح هذه الرؤية. لكنه حذر في المقابل من تحميل بنك الجزائر وحده مسؤولية بعض الإشكاليات، مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي يتطلب تغييرات أوسع في الذهنيات والآليات، وليس الاكتفاء بتغيير الأشخاص.
الإطار القانوني للتعيين والإقالة
وينص الدستور الجزائري، في مادته 92، على أن رئيس الجمهورية يعيّن في الوظائف المدنية والعسكرية العليا، ومن بينها محافظ بنك الجزائر، ما يجعل هذا المنصب خاضعاً مباشرة للسلطة التنفيذية. ورغم أن الدستور لا يذكر صراحة مسألة «إنهاء المهام»، فإن العرف السائد يعتبر أن سلطة التعيين تستبطن حق الإقالة.
أما القانون النقدي والمصرفي المعدل عام 2023، فيحدد عهدة محافظ بنك الجزائر بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، ويحصر أسباب إنهاء المهام في حالتين: العجز الصحي المثبت قانوناً، أو ارتكاب خطأ فادح، ويتم ذلك بمرسوم رئاسي، بنفس الكيفية التي تم بها التعيين.
