أخبار أخبار عالمية بنوك تكنولوجيا مالية مسؤولية إجتماعية 🇹🇳

تونس تعزز تعاونها مع بنوك دولية وإقليمية

بنوك عربية

كثّفت تونس في الفترة الأخيرة تعزيز علاقاتها مع عدد من البنوك الدولية والإقليمية، سعياً لتوطيد التعاون الاقتصادي مع جهات مانحة، بهدف الحصول على تمويلات ومرافقة فنية وأيضاً تقنية لعدد من المشاريع، في إطار نقل الخبرات، ولترسيم شراكات استراتيجية متعدّدة الأبعاد.

وتتصدّر مجموعة البنك الدولي ومجموعة البنك الأوروبي للاستثمار هذه الاهتمامات المتزايدة من قبل بلادنا لعقد شراكات أكثر توسّعاً من حيث المجالات، وأكثر نجاعة على أرض الواقع، ولإيجاد سُبل من شأنها المساهمة بقوة في تمويل جملة من المشاريع ومعاضدة جهود الدولة لدفع عجلة الاستثمار، ومساعدة عدد من القطاعات على الإقلاع التصنيعي والإنتاجي والتصديري.

وتبحث تونس، من خلال تنظيم لقاءات متواترة مع عدد من مسؤولي هذه البنوك، عن علاقات نديّة تخدم مصلحة التونسيين وهذه البنوك على حدّ سواء، فكلما كانت العلاقة أكثر نديّة من الناحية الاقتصادية والتجارية، كان تأثيرها على أرض الواقع أكثر نفعاً للطرفين.

مواصلة دعم مسار التعاون.. العنصر المشترك للاجتماعات

والملاحظ أن العنصر المشترك خلال جميع هذه اللقاءات هو الرغبة المتواصلة لدى مسؤولي هذه البنوك في استمرار التعاون مع تونس، والالتزام ببناء جسور عميقة بين الطرفين، حيث يُدرك الطرفان ضرورة عدم الاكتفاء خلال مثل هذه الاجتماعات بتقييم المرحلة السابقة من التعاون من خلال التعرّف على بعض الإخلالات والوقوف عند نقاط القوّة، بل تجاوز ذلك إلى الكشف عمّا تتطلّبه المرحلة القادمة من استثمارات تنسجم مع رؤية هذه البنوك وأولوياتها، حيث عادة ما تكون الأولوية بالنسبة إليها للقطاعات الواعدة مثل التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة.

إذ من بين مجالات التعاون مشاريع ضخمة في الطاقات المتجددة، من بينها مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، والصناعات الكهربائية والميكانيكية، والتي من ضمنها صناعة مكوّنات السيارات وصناعة مكوّنات الطائرات، وهي مجالات تطمح تونس إلى مزيد تطويرها تنفيذاً للمخطط التنموي 2026-2030.

إلا أن العديد من المجالات الأخرى تحظى بمتابعة من قبل هذه المؤسسات المالية، من بينها البنية التحتية، وما يتعلّق بالتغيرات المناخية من خلال توفير دعم يخصّ كلّاً من البصمة الكربونية والبصمة المائية، إضافة إلى المجالات التربوية والصحية.

فرصة لتذليل الصعوبات المالية

وسلّطت هذه اللقاءات المتلاحقة الضوء على جملة من المشاريع والدراسات التي تعتزم البنوك المذكورة المشاركة في تمويلها، ممّا يُمثّل لبلادنا فرصة لتذليل جملة من الصعوبات التمويلية لعدد من القطاعات والمؤسسات المنتجة، إذ لطالما شكّل التمويل هاجساً أمام نموّ أرباح عدد من المؤسسات وإدماجها الاقتصادي، لا سيما المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

وتُعدّ هذه اللقاءات مناسبة توضّح فيها بلادنا، بصفة مباشرة، حزمة الإصلاحات والإجراءات التي تم إقرارها لمزيد تحسين مناخ الأعمال والاستثمار، إلى جانب الإصلاحات الجاري استكمالها في الوقت الراهن، وهي إصلاحات تشريعية وإدارية تهمّ الرقمنة ومجلة الصرف وقانون الاستثمار ومجلة المحروقات.

وفي الأسبوع الأول من شهر فبراير لوحده، عقد وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ اجتماعاً مع مسؤولين ببنكين بارزين، ففي 4 فيفري 2026 التقى الوزير بمقرّ الوزارة برئيس قسم القطاع العام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالبنك الأوروبي للاستثمار (Ulrich Brunnhuber)، الذي كان مرفوقاً بالمديرة الجديدة لمكتب البنك بتونس (Anna Barone)، .

وأكد سمير عبد الحفيظ، في هذا السياق، على أهمية التعاون القائم والحرص على مزيد تعزيزه في إطار توجهات وأولويات تونس التنموية، وما سيتم ضبطه من برامج ومشاريع في المخطط التنموي 2026-2030.

ونوه الوزير، في ذات السياق، بدعم البنك الأوروبي للاستثمار لمسار التنمية في تونس، وهو ما تعكسه جملة المشاريع المموّلة في عدة مجالات حيوية، كالتعليم والنقل والبنية التحتية والمياه وغيرها، بالإضافة إلى دعم القطاع الخاص.

من جانبه، أكد (Ulrich Brunnhuber) حرص البنك الأوروبي واستعداده لمزيد تعزيز التعاون وتوسيع مجالاته بما يخدم أهداف تونس وأولوياتها، معرباً عن ارتياحه لتطوّر نسق تنفيذ المشاريع في الفترة الأخيرة، وللتقدّم المسجّل في استغلال خط تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

وأكد (Brunnhuber) الاستعداد لتعميق التشاور وتكثيف التنسيق بين الجانبين، بما يساعد على التسريع في ضبط برامج العمل القادمة، وعلى تمويل المشاريع المقترحة.

وفي ذات اليوم، 4 فيفري الجاري، اجتمع وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ بالمدير الإقليمي لدائرة المغرب العربي ومالطا بالبنك الدولي (Ahmadou Moustapha Ndiaye)، إذ تطرّق الجانبان إلى سير التعاون المالي والفني، والتقدّم في تنفيذ عدد من المشاريع التي يساهم البنك في تمويلها.

كما تناول الجانبان برنامج العمل للسنة الجارية، وما يتضمّنه من مشاريع في عدد من المجالات الحيوية، من ذلك بالخصوص مجال الحماية الاجتماعية والمياه والحماية من الفيضانات.

وفي ذات السياق، تم التعرّض إلى مجالات التعاون التي سيتم العمل عليها وإعداد مشاريعها للفترة 2027-2028، من ذلك مجالات النقل والصحة والطاقة والبيئة والتطهير.

وأعرب سمير عبد الحفيظ، في هذا الإطار، عن ارتياحه لمستوى التعاون القائم بين تونس والبنك، مؤكداً على أهمية المجالات التي يتم العمل عليها باعتبار تناغمها مع التوجهات الوطنية، والحرص على تطوير التعاون مع مجموعة البنك الدولي في إطار مشاريع وبرامج المخطط التنموي 2026-2030.

من جانبه، بيّن (Ahmadou Moustapha Ndiaye) أن هذه الزيارة تأتي في سياق الاطلاع على توجهات تونس التنموية للفترة القادمة، بما يساعد على حسن إعداد برامج التعاون، منوّهاً بما سجلته عديد المؤشرات الاقتصادية من تحسّن. وجدّد (Moustapha Ndiaye) التزام البنك بمواصلة دعم تونس في مسارها الإصلاحي والتنموي، وبالعمل على أن تستفيد من جملة الآليات التمويلية المتاحة لدى البنك ومؤسساته، تعزيزاً للشراكة القائمة بين الجانبين على المدى المتوسط والبعيد.

وفي ذات الإطار، مثّل لقاء وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة فاطمة الثابت شيبوب، في 6 فيفري الجاري بمقر الوزارة، بالمدير الإقليمي لدائرة المغرب العربي ومالطا بالبنك الدولي (Ahmadou Moustapha Ndiaye)، فرصة نوّه فيها الجانبان بمستوى التعاون القائم بين مصالح الوزارة ومجموعة البنك، سيما في قطاعات الطاقة والطاقات المتجددة والمشاريع التي يساهم البنك في تمويلها.

كما تم التطرّق إلى برنامج العمل في الفترة القادمة، خاصة فيما يتعلّق ببرنامج تحسين أداء الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وتطوير الشبكة الوطنية للكهرباء، ومدى التقدّم في إنجاز مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا (ELMED)، إلى جانب دفع الاستثمار في الطاقات المتجددة.

وأكد (Ahmadou Moustapha Ndiaye) مواصلة دعم جهود الوزارة للتسريع في إنجاز المشاريع الطاقية، ومواصلة تقديم المساندة الفنية والمالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز لتحسين مردوديتها المالية والتجارية.

ومن جهتها، نوّهت الوزيرة بمستوى الشراكة المتميزة مع مجموعة البنك، مؤكدة على أهمية دفع الاستثمار في الطاقات المتجددة قصد التقليص من العجز الطاقي.

اجتماعات استراتيجية

وفي هذا الصدد، أفاد الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي حاتم فتح الله، في تصريح لـ«الصباح»، أنه في سياق يتّسم بتحديات اقتصادية عالمية، تبرز هذه الاجتماعات التي تم عقدها مؤخراً كخطوة حاسمة نحو تعزيز التعاون المالي والفني، حيث لم يقع الاقتصار على تقديم المديرة الجديدة لمكتب البنك الأوروبي للاستثمار في تونس أو مناقشة تقدّم المشاريع، بل شكّلت فرصة للتأكيد على أولويات التنمية التونسية، خاصة في ظل المخطط التنموي 2026-2030.

وهو ما يعني أن هذه الاجتماعات تُعدّ انعكاساً لتاريخ طويل من الشراكات الدولية، مع تركيز متزايد على الاستثمار المستدام دون الاعتماد المفرط على التداين، وذلك في فترة حرجة تشهد تحسّناً في التصنيف السيادي التونسي، وعدم وجود مشاكل في سداد الديون.

تاريخ طويل من التعاون مع المؤسسات الدولية

وأكد محدثنا أن تاريخ تونس مع البنك الأوروبي للاستثمار يعود إلى عام 1979، حيث عمل البنك في إطار سياسة الجوار الأوروبية (ENP) لدعم البنية التحتية والمشاريع الريادية. ومن بين الإنجازات البارزة، تمويل إعادة تأهيل الأحياء الشعبية بالشراكة مع وكالة إعادة التأهيل والتجديد العمراني (ARRU)، الذي استفاد منه ثلاثة ملايين شخص في ألف حي، بالإضافة إلى مشاريع في إمداد المياه في تونس الكبرى (38 مليون أورو في سنة 2020)، وتحديث المدارس العمومية. كما ساهم البنك في مواجهة جائحة كوفيد-19 بتوفير معدات صحية للمدارس، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر اتفاقيات تمويل بلغت 320 مليون أورو.

أما بالنسبة للبنك الدولي، أوضح المتحدّث ذاته أن التعاون بدأ في 1958، مع تركيز على الطاقة المتجددة وإدارة المياه والحماية الاجتماعية. وفي السنوات الأخيرة، أُطلق إطار شراكة للفترة 2023-2027 يدعم التحول الطاقي والمرونة الاجتماعية، بما في ذلك اتفاق تمويل بقيمة 430 مليون دولار في 2025 لتحسين قطاع الطاقة.

واعتبر حاتم فتح الله أن هذه الشراكات ليست مجرد تمويلات، بل تمثل استثمارات استراتيجية ساعدت في بناء قدرات تونس، مع التركيز على القطاعات الحيوية مثل التعليم والنقل والمياه.

وذكر حاتم فتح الله أن هذه الاجتماعات تمثل فرصة لتعزيز مسار تونس نحو تنمية مستدامة، مع الاستفادة من تاريخها الغني مع المؤسسات الدولية، مؤكداً أن التركيز على الاستثمار غير المديني والدور الإقليمي سيكون مفتاحاً لتحقيق رؤية 2030، شريطة تنفيذ الإصلاحات بفعالية.

أهمية الاستثمار في الفترة الحالية

وأكد حاتم فتح الله أنه في ظل التباطؤ العالمي المتوقع (نمو عالمي حوالي 3 % في 2026)، يصبح الاستثمار أداة حاسمة لدعم الاقتصاد التونسي، لافتاً إلى أن الاستثمار يساهم في خلق فرص عمل وامتصاص نسب البطالة، ويعزّز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية مثل تقلبات أسعار الطاقة. كما أنه يقلّل الاعتماد على الديون، حيث يمكن أن يولّد عوائد طويلة الأمد دون زيادة العبء المالي، مشدّداً على أنه في هذه الفترة يجب التركيز على الاستثمارات الخضراء والرقمية لتحقيق نمو مستدام، كما في مشاريع الطاقة الشمسية المدعومة من البنك الدولي.

جاذبية تونس للمستثمرين

تونس تبرز كوجهة استثمارية جذابة، مع زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 28 % في الأشهر التسعة الأولى من 2025 (866 مليون دولار)، و21 % في النصف الأول مقارنة بـ2024. وتشمل القطاعات الرئيسية الصناعة (63.6 % من الاستثمارات الجديدة)، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، مع خطط لمضاعفة الاستثمار إلى 4 مليارات دينار ليبي بحلول 2026، وهي جاذبية تتدعّم بالشراكات مع العديد من المؤسسات المالية والبنوك.

أهمية تونس الإقليمية ودورها الاستراتيجي

واعتبر الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي أن تونس تمتلك دوراً إقليمياً حاسماً كحلقة وصل بين أفريقيا والشرق الأوسط، ويمكن أن تصبح مركزاً للصناعات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء، خاصة مع مشاريع مثل (ELMED) لربط الكهرباء مع إيطاليا. وهذا يعزّز الاستقرار الإقليمي ويجذب الاستثمارات، مما يساهم في نمو مستدام.

وبالتالي فإن هذا الدور الاستراتيجي تدركه جيداً العديد من الدول في المنطقة، وأيضاً البنوك العالمية الداعمة لضخّ الاستثمارات بقوّة. وشدّد محدثنا على ضرورة الحفاظ على هذه الجاذبية من خلال تعزيز الإصلاحات الهيكلية وتحسين البيئة الاستثمارية عبر تطوير نظام الاستثمار الشامل، وتقليل الفجوات الإقليمية، وتعزيز الشراكات الخاصة، إضافة إلى دمج الحوالات في التنمية، وتطوير أدوات مالية لتحويلها إلى استثمارات.

مواضيع ذات صلة

زامبيا تتقدم رسميًا بطلب برنامج جديد من النقد الدولي

Nesrine Bouhlel

أميركا تتوقف عن تمويل برامج المناخ للنقد الدولي

Nesrine Bouhlel

البنك الدولي: الوظائف تتحول إلى ملف أمن قومي

Nesrine Bouhlel