بنوك عربية
أَشَادَ صندوق النقد العربي بمبادرات واستراتيجية قطر في مجال الذكاء الاصطناعي، ووصفها بأنها محرّك رئيسي لرؤية قطر 2030.
وقالَ الصندوقُ في التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2025، الذي أصدره حديثًا، إن قطر تتبنى رؤية استراتيجية طموحة في مجال الذكاء الاصطناعي، ترتكز على الاستدامة والابتكار والاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، بهدف تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتقنية والابتكار وتحقيق الاستفادة الاقتصادية والاجتماعية من هذه التقنية، انسجامًا مع رؤية قطر الوطنيّة 2030.
وقد أطلقت قطر استراتيجيتها الوطنيّة للذكاء الاصطناعي في عام 2019، كإطار شامل لدعم تبني التقنية في مُختلِف القطاعات. وتركز الاستراتيجيةُ على الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للذكاء الاصطناعي، مع وجود أطر قانونية تحترم الخصوصية وتعزز العدالة وتجنب التحيّز، إلى جانب توظيف التقنية لتحقيق التنمية المستدامة في مجالات الطاقة والصحة والتعليم، وبناء ثقة المجتمع من خلال تعزيز الشفافية والمساءلة.
كما تخصص قطر استثمارات كبيرة في الذكاء الاصطناعي، تصل إلى 2.5 مليار دولار أمريكي، لدعم البحث والتطوير والبنية التحتية الرقْمية والشركات الناشئة. ومن المتوقع أن يؤدّي هذا الاستثمار إلى توفير نحو 26 ألف وظيفة جديدة بحلول عام 2030، ما يساهم في تعزيز الاقتصاد المعرفي وتوفير فرص واعدة للشباب القطري.
تطوير القدرات
وتركّز قطر على تطوير قدراتها في معالجة اللغات الطبيعية، خاصة اللغة العربية، من خلال مشروع « فنار»، وهو نموذج لُغوي وطني متطوّر يهدف إلى تعزيز فَهم وتحليل اللغة العربية وتوليد محتوى رقمي عالي الجودة. كما يدعم المشروع تطبيقات الترجمة، الإعلام، البحث الأكاديمي، والخدمات الذكية، مع مراعاة الخصوصية الثقافية واللغويّة.
ويؤدّي معهد قطر لبحوث الحوسبة، التابع لجامعة حمد بن خليفة، دورًا مركزيًا في قيادة أبحاث الذكاء الاصطناعي وتطوير السياسات ذات الصلة، إلى جانب تقديم المشورة للحكومة حول التشريعات وبناء القدرات المحلية وتعزيز التعاون الدولي، ما يسهم في تعزيز الابتكار الوطني، وتعكس هذه المبادرات واستراتيجية قطر نهجًا متكاملًا يجمع بين الاستثمار في البنية التحتية والكفاءات البشرية، مع الالتزام القوي بالجوانب الأخلاقية والمُستدامة.
وحول تسخير الذكاء الاصطناعي لتعزيز الشمول المالي والابتكار في الدول العربية، ذكر التقرير أن دولة قطر تتميّز بإرشادات ملزمة قانونيًا للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، وهذه الإرشادات ليست مجرد توجيهات عامة، بل تحدّد عملية الموافقة والرقابة على أدوات الذكاء الاصطناعي، وتتطلب من البنوك والمؤسسات المالية الخاضعة لرقابة المصرف المركزي تقديم تقارير مفصلة حول الاستخدام المقصود للذكاء الاصطناعي، والبيانات المستخدمة، والنتائج المتوقعة.
وهذا يضمن فحصًا دقيقًا لجميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل تنفيذها في القطاع المالي القطري. مشيرًا إلى أن قطر سجلت المرتبة الثالثة عربيًا، في مؤشر واقع جاهزية الحكومات العربية للذكاء الاصطناعي لعام 2024 – Oxford Insights. بينما يظهر تباين كبير في مستويات الجاهزية بين الدول العربية، ما يُبرز تحديات عميقة تتعلق بالاستقرار، ومحدودية الموارد، وضعف البنية التحتيّة في بعض الدول.
التقنيات المالية الحديثة
وأوضحَ التقريرُ الاقتصادي العربي الموحد أن الاقتصاد يُشكل الارتباط الوثيق بين جاهزية الدول للذكاء الاصطناعي وتطور التقنيات المالية الحديثة، ما يعد محركًا أساسيًا لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع المالي الرقمي. فالدول التي تُظهر ريادة في جاهزية الذكاء الاصطناعي، مثل الإمارات والسعودية وقطر والبحرين وعُمان، تُقدم بيئة تكنولوجية وتنظيمية متقدمة تُعد جاذبة للمستثمرين العالميين.
وهذا التكامل يفتح أبوابًا لفرص استثمارية كبرى للشركات الدولية، حيث لا يقتصر أثر الاستثمار الأجنبي المباشر على جلب رؤوس الأموال، بل يمتد ليشمل نقل المعرفة والخبرات التقنية، ما يعزّز الابتكار وتطوير الكفاءات المحلية وتوسيع الخِدمات المالية الرقمية. علاوة على ذلك، يُسهم جذب هذه الاستثمارات في تسريع التحوّل الاقتصادي، وترسيخ مكانة الدول العربية كمراكز إقليميّة للابتكار وريادة الأعمال.
وأوصى التقريرُ بأهمية دعم التبني الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي العربي. وتُظهر التحليلات المستندة إلى الدراسات الحديثة والتحليل العملي أن مسار تبني الذكاء الاصطناعي في الدول العربية يشهد تفاوتًا ملحوظًا بين الدول، حيث برزت بعض الدول كرائدة في هذا المجال بفضل امتلاكها بنية تحتية رقمية متقدمة وسياسات ومبادرات داعمة، في حين تواجه دول أخرى تحديات كبيرة تعرقل تقدمها في هذا المضمار.
وتُشير النتائج إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُعد أداة فعالة لتقديم حلول مبتكرة تدعم إدماج شرائح جديدة من المجتمع في المنظومة المالية الرسمية، لا سيما في الدول التي تعاني من ضعف في الخِدمات المالية التقليدية. ففي هذه السياقات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشكّل جسرًا نحو الوصول إلى الفئات المحرومة.
ومن التحديات الجوهرية التي لا تزال قائمة، يبرز الجانب التنظيمي كأحد أبرز العوائق أمام الاستفادة الكاملة من إمكانات الذكاء الاصطناعي. فالكثير من الدول العربية ما زالت في مراحل أولية من إعداد الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة، ما يحدّ من قدرتها على الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات. كما أن الاستثمار في تطوير المهارات الرقمية وتعزيز بيئات الابتكار يسهم بشكل ملحوظ في توسيع نطاق الخِدمات المالية الحديثة، وتُعد البنية التحتية الرقْمية ركيزةً أساسيةً لنجاح هذه الجهود.
