بنوك عربية
يتجه المغرب نحو إحداث تحول هيكلي عميق في قطاعه المالي مع مشروع القانون رقم /02-26/، الذي يهدف إلى إنشاء سوق ثانوية للديون المصرفية المتعثرة، بما يسمح للبنوك بالتخلص من القروض غير المنتجة ونقلها إلى مستثمرين متخصصين دون الحاجة إلى موافقة مسبقة من المدينين. خطوة تشريعية غير مسبوقة قد تعيد رسم توازنات المشهد البنكي، وتحرر مليارات الدراهم لإعادة ضخها في تمويل الاقتصاد.
وقد تم إيداع مشروع القانون لدى الأمانة العامة للحكومة نهاية يناير الماضي 2026، في إطار دينامية إصلاحية أوسع لتعزيز مرونة وتنافسية القطاع المصرفي، مع استلهام نماذج دولية برزت بعد الأزمة المالية العالمية للعام 2008.
سوق ضخمة بقيمة 100 مليار درهم
وتعكس الأرقام حجم الرهان، فمخزون القروض غير المنتجة يقدر بحوالي 100 مليار درهم في العام المالي 2025، ووفق معطيات بنك المغرب المركزي، بلغ الرصيد الإجمالي للديون المتعثرة 134,6 مليار درهم في العام المالي 2024، أي نحو 11% من إجمالي الائتمان.
ويتوزع هذا المبلغ بين 69,7 مليار درهم تخص المقاولات غير المالية و41,8 مليار درهم تعود للأسر. وفي التفاصيل، يبلغ معدل التعثر في القروض السكنية 8,3%، ويرتفع إلى 13,9% في قروض الاستهلاك، بينما يصل لدى الشركات إلى 16,1% في الصناعة، و15,7% في التجارة، و13,7% في البناء والأشغال العمومية.
هذه الكتلة من الديون، التي تكاد تكون غير قابلة للتحصيل، تثقل ميزانيات البنوك وتحد من قدرتها على تمويل الاستثمار والنمو.
استثناء قانوني يكسر قفل الفصل 192
يرتكز المشروع على تعديل جوهري في الإطار القانوني المنظم للتنازل عن الديون، فالمادة /7/ تحدث استثناء صريحا من مقتضيات الفصل /192/ من قانون الالتزامات والعقود المغربي، الذي كان يشترط موافقة المدين الصريحة عند التنازل عن دين متنازع فيه.
وبموجب النص الجديد، لم يعد هذا الشرط ساريا بالنسبة للديون المتعثرة، ما يفتح المجال أمام نقلها بسلاسة إلى مستثمرين دون عراقيل إجرائية كانت تعطل نشوء سوق فعلية لهذه الأصول.
وتنص المادة /5/ على انتقال ملكية الدين فور أداء الثمن المتفق عليه، بينما تضمن المواد من/ 12/ إلى /17/ النقل التلقائي لجميع الملحقات والضمانات والرهون بحكم القانون، دون الحاجة إلى عقود إضافية، ويشمل ذلك الرهون العقارية مع الاحتفاظ بنفس رتبة الامتياز، ما يعزز جاذبية هذه الأصول للمستثمرين المهنيين.
كما تحمي المادة /15/ المستثمرين من أي تسجيلات لاحقة قد تطرأ على العقار بين تاريخ التنازل وتسجيله النهائي، بما يرسخ الأمن القانوني للمعاملات.
حماية المدينين… بإشعار بدل موافقة
في مقابل هذا التيسير، أبقى المشروع على آليات لحماية المدينين. فالمادة 10 تشترط إخطار المدين بالتنازل عبر رسالة مضمونة أو وسيلة إلكترونية آمنة، حتى يكون التنازل قابلاً للإعمال في مواجهته، كما تنص المادة /11/ على إبراء ذمته إذا أدى بحسن نية للبنك قبل توصله بالإشعار.
وتؤكد المادة 20 أولوية مقتضيات القانون 31-08 المتعلق بحماية المستهلك، لضمان عدم المساس بالحقوق الأساسية للمقترضين، مع إخضاع نقل المعطيات الشخصية للضوابط القانونية وتمديد السر المهني إلى المقتنين الجدد.
غير أن اعتماد الإخطار الإلكتروني يطرح تحديات عملية في ظل فجوة رقمية قائمة، رغم ارتفاع نسبة الولوج إلى الإنترنت.
ثغرات في التقييم والتحصيل
ورغم طموحه، يثير المشروع تساؤلات بشأن بعض الجوانب الجوهرية، فالمادة 6 لا تضع إطارا واضحا لتقييم الديون، مكتفية بالنص على ضرورة تحديد الثمن في عقد التنازل، ويحذر مهنيون من أن القيمة الفعلية لهذه الأصول قد لا تتجاوز 30% من قيمتها الاسمية، ما قد يخلق اختلالا في المعلومات بين البنوك والمستثمرين.
كما لم يعالج النص بطء المساطر القضائية، إذ قد تستغرق إجراءات التحصيل وتنفيذ الرهون سنوات عدة، وهو عامل حاسم في حسابات المستثمرين، خاصة الأجانب، إضافة إلى ذلك، تبقى القيود المرتبطة بتنظيم الصرف وتحويل العائدات للخارج دون معالجة صريحة، ما قد يحد من جاذبية السوق لرؤوس الأموال الدولية.
مخاطر نظامية وأخلاقية محتملة
على مستوى أعمق، يحذر خبراء من احتمال انتقال المخاطر إلى سوق الرساميل إذا جرى توريق هذه الديون أو إدماجها ضمن محافظ استثمارية موجهة للادخار الجماعي، بما قد يخلق ما يشبه تلوثا ماليا خارج الميزانيات البنكية.
كما يطرح هاجس الخطر الأخلاقي، إذ قد يغري تسهيل التخلص من الديون المتعثرة بعض المؤسسات بتخفيف معايير منح القروض مستقبلا، ما لم تواكب العملية برقابة صارمة من السلطات النقدية.
ويضاف إلى ذلك أن معدل التحصيل التاريخي في المغرب لا يتجاوز في المتوسط 30% خلال خمس سنوات، ما يثير تساؤلات حول قدرة المستثمرين الجدد على تحقيق نتائج أفضل دون اللجوء إلى ممارسات تحصيل مثيرة للجدل.
بين تطهير الميزانيات واستقرار النظام
في المحصلة، يقدم مشروع القانون 02-26 نفسه كأداة استراتيجية لتطهير أكثر من 134 مليار درهم من الديون المتعثرة، ومنح البنوك هامشاً أوسع لإعادة تمويل الاقتصاد، غير أن نجاح هذه السوق الثانوية سيظل رهينا بمدى قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين النجاعة الاقتصادية، وحماية المقترضين، وضمان استقرار المنظومة المالية.
فبين فرصة تاريخية لإعادة الهيكلة، واحتمال انزلاق المخاطر إلى دوائر أوسع، يقف النظام المالي المغربي أمام منعطف حاسم قد يحدد ملامحه لسنوات مقبلة.
