بنوك عربية
أعلنت الحكومة المغربية عن إعداد مشروع قانون جديد يهدف إلى تمكين البنوك من بيع ما يقارب 11 مليار دولار من الديون المتعثرة الخاصة بالأسر والشركات، في خطوة ترمي إلى التخفيف من الضغوط المرتبطة بنقص السيولة داخل القطاع البنكي.
وقد قامت الأمانة العامة للحكومة بنشر مسودة المشروع عبر موقعها الإلكتروني الرسمي من أجل فتح باب إبداء الملاحظات والآراء أمام العموم، وذلك في إطار مسطرة تستمر لمدة شهر. وبعد انتهاء هذه المرحلة، ستعمل الحكومة على إدخال التعديلات اللازمة قبل إحالة الصيغة النهائية إلى البرلمان قصد مناقشتها والمصادقة عليها.
وتأتي هذه المبادرة في ظل الارتفاع المتواصل لقيمة الديون المتعثرة لدى البنوك خلال الأعوام الأخيرة. فقد بلغت هذه الديون مع نهاية العام الماضي حوالي 100.5 مليار درهم، أي ما يعادل نحو 11 مليار دولار، وهو ما يمثل قرابة 9% من إجمالي القروض البنكية. كما تشير المعطيات الصادرة عن بنك المغرب إلى أن حجم هذه الديون عرف زيادة بنسبة 80% خلال العقد الأخير.
وخلال السنوات العشر الماضية، سجلت الديون المتعثرة معدل نمو سنوي يقارب 6%، بينما سُجلت أعلى زيادة سنوية في عام 2020 بنسبة بلغت 15%، وذلك نتيجة التأثيرات الاقتصادية الكبيرة التي خلفتها إجراءات الإغلاق المرتبطة بجائحة كوفيد-19 على الاقتصاد المغربي.
تفاصيل مشروع بيع الديون المتعثرة
يرمي مشروع القانون إلى إنشاء سوق منظمة تتيح للبنوك بيع ديونها المتعثرة في إطار قانوني وآمن وتحت إشراف بنك المغرب. ويُعرّف المشروع الدين المتعثر على أنه دين محل نزاع أو من المحتمل تعذر تحصيله كلياً أو جزئياً بسبب تراجع قدرة المدين الحالية أو المستقبلية على السداد.
وبحسب مقتضيات النص المقترح، يمكن لأي شخص اقتناء دين واحد أو أكثر من الديون المتعثرة. وتتم عملية نقل ملكية الدين من البنك إلى المشتري مقابل أداء ثمن متفق عليه، وذلك عبر عقد رسمي يحدد مختلف المعطيات المرتبطة بالدين، من بينها هوية المدين وعنوانه وقيمة الدين الأصلية والفوائد المستحقة وتاريخ الاستحقاق ونسبة الفائدة إضافة إلى الضمانات وعقود التأمين المرتبطة به.
وأوضحت وزارة الاقتصاد والمالية، في المذكرة التقديمية لمشروع القانون، أن التجارب الدولية أظهرت أن إحداث سوق ثانوية منظمة لتداول الديون المتعثرة يعد من الوسائل الفعالة للحد من تفاقمها، كما يساهم في تعزيز صلابة النظام البنكي وتمكين المؤسسات المالية من التركيز بشكل أكبر على دورها الأساسي في تمويل الاقتصاد بصورة مستدامة.
تأثير الديون المتعثرة على السيولة البنكية
ينص المشروع أيضاً على أن الشخص الذي يقتني الدين المتعثر ملزم باستخدام المعطيات الشخصية التي يحصل عليها من البنك حصرياً في إطار التفاوض حول عقد تملك الدين وتنفيذه، مع منعه من نقل هذه المعطيات أو استعمالها خارج هذا الإطار القانوني.
وتعود زيادة الديون المتعثرة إلى عدة عوامل، من بينها صعوبة الظرفية الاقتصادية، والمشاكل التي تعرفها بعض القطاعات الإنتاجية، إضافة إلى الإفراط في الاقتراض وبعض الأحداث غير المتوقعة وسوء التدبير في بعض الحالات. وقد أشار إلى هذه الأسباب المدير العام لبنك المغرب عبد الرحيم بوعزة خلال مؤتمر حول الديون المتعثرة نظمه بنك المغرب في شهر نونبر سنة 2024.
وتُعد البنوك المتضرر الأكبر من تفاقم هذه الديون، نظراً لما تتطلبه من تكاليف مرتفعة لتدبيرها وتتبعها. كما تبقى هذه القروض ضمن ميزانيات البنوك لفترات قد تطول أو تقصر حسب المدة اللازمة لاسترجاعها سواء عبر التسوية الودية أو من خلال المساطر القضائية. ويزيد الأمر تعقيداً أن القوانين الجبائية لا تسمح بحذف هذه الديون من الميزانيات إلا بعد مرور خمس سنوات واستنفاد جميع مساطر الطعن.
الضغط على سيولة البنوك
إلى جانب ارتفاع الديون المتعثرة وتزايد الاعتماد على التعامل النقدي، تواجه البنوك ضغطاً متزايداً على مستوى السيولة. وتشير تقديرات بنك المغرب إلى أن احتياجات البنوك من السيولة تبلغ في المتوسط حوالي 120 مليار درهم سنوياً، مع توقع ارتفاعها إلى نحو 158 مليار درهم خلال العام المقبل.
ومن المنتظر أن يساهم إحداث سوق للديون المتعثرة في التخفيف من هذه الضغوط مستقبلاً، عبر تمكين البنوك من التخلص من جزء من القروض المتعثرة وتحسين قدرتها على توفير السيولة، وهو ما قد يقلص أيضاً من حجم تدخلات بنك المغرب في السوق النقدية.
ورغم استمرار تراكم هذه الديون داخل ميزانيات البنوك، فإن القطاع البنكي يواصل تحقيق نتائج مالية إيجابية مدعوماً بارتفاع الطلب على القروض الموجهة للأفراد والشركات، خصوصاً في ظل الدينامية التي تعرفها مشاريع البنية التحتية في المغرب.
وفي هذا السياق، أعلنت أكبر مؤسستين بنكيتين في البلاد عن تحقيق أرباح قياسية. فقد سجلت مجموعة التجاري وفا بنك، أكبر مجموعة مصرفية في المغرب، ارتفاعاً في أرباحها بنسبة 16.2% خلال العام الماضي لتصل إلى 10.6 مليار درهم. كما حقق البنك الشعبي أرباحاً صافية بلغت حوالي 4.5 مليار درهم، مسجلة نمواً قدره 8.6%.
