بنوك عربية
سجّل حجم العملة المتداولة خارج الجهاز المصرفي في ليبيا ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأعوام الأخيرة، ليبلغ نحو 59 مليار دينار ليبي (ما يعادل 9.25 مليارات دولار) بنهاية عام 2025، بزيادة قدرها 22.9% مقارنة بنحو 48 مليار دينار في 2024، و43.1 مليار دينار في 2023، بحسب بيانات حديثة صادرة عن مصرف ليبيا المركزي، في مؤشر يعكس استمرار توسّع الكتلة النقدية خارج القطاع المصرفي رغم محاولات تنظيمها.
وأظهرت النشرة الاقتصادية للربع الرابع من عام 2025، الصادرة حديثاً، أن النقد المتداول خارج المصارف واصل مساره التصاعدي، في ظل اعتماد شريحة واسعة من الأفراد والأنشطة التجارية على التعاملات النقدية المباشرة. فقد بلغ نحو 52 مليار دينار في الربع الأول من العام، وارتفع إلى 54.13 مليار دينار في الربع الثاني، قبل أن يصل إلى 55.29 مليار دينار في نوفمبر/تشرين الثاني، ثم يقفز إلى 59 مليار دينار مع نهاية العام.
ويرى اقتصاديون أن هذا الاتجاه يعكس تعمّق ما يُعرف بالاقتصاد النقدي الموازي. ورغم الإجراءات التي نفذها مصرف ليبيا المركزي خلال عام 2025 لسحب نحو 47 مليار دينار من التداول بهدف إعادة ضبط الكتلة النقدية والحد من الضغوط التضخمية، فإن عرض النقود لدى الجمهور واصل الارتفاع بنهاية العام، ما يطرح تساؤلات حول فعالية هذه التدابير.
في السياق، يقول الخبير المالي محمود سالم إن تزايد النقد المتداول بهذا الشكل يعكس تراجع الثقة في الجهاز المصرفي، واستمرار القيود على السحب، وضعف انتشار وسائل الدفع الإلكتروني، ما يحدّ من فعالية أدوات السياسة النقدية ويعقّد جهود السيطرة على التضخم. ويرى سالم أن المشكلة لا تتعلق بحجم السيولة فقط، بل بمسارها، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من النقد المسحوب يعود إلى التداول عبر قنوات غير رسمية، نتيجة ضعف الثقة وغياب بدائل دفع فعّالة.
من جهته، يؤكد المحلل الاقتصادي عادل المقرحي أن أي إصلاح نقدي حقيقي يتطلب إعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي، وتوفير ضمانات تتيح سهولة الوصول إلى الأموال، إلى جانب تطوير البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية. ويحذّر المقرحي من أن استمرار ارتفاع العملة المتداولة خارج المصارف قد يزيد من الضغوط التضخمية، ويحدّ من قدرة السلطات النقدية على تتبّع التدفقات المالية، معتبراً أن التحدي لا يقتصر على تقليص الكتلة النقدية، بل يمتد إلى إعادة دمجها داخل النظام المصرفي عبر إصلاحات هيكلية تعزز الشفافية وتدعم التحول نحو اقتصاد أقل اعتماداً على النقد.
إلى ذلك، يرى المصرفي معتز هويدي أن بلوغ الكتلة النقدية المتداولة خارج القطاع المصرفي نحو 59 مليار دينار يعكس خللاً بنيوياً في دورة السيولة داخل الاقتصاد الليبي، حيث تتكدس الأموال خارج القنوات الرسمية في وقت تعاني فيه المصارف من نقص حاد في النقد. ويشير هويدي، في حديثه لـ”العربي الجديد”، إلى أن هذه المفارقة تسهم في تفاقم أزمة السيولة، وتحدّ من قدرة المصارف على تلبية الطلب على السحب، رغم وفرة النقد في السوق، ما يعكس ضعف الثقة في الجهاز المصرفي واستمرار الاعتماد على التعاملات النقدية.
وأضاف أن هذه الكتلة النقدية الكبيرة تغذي الضغوط التضخمية عبر زيادة الطلب على السلع والخدمات، إلى جانب توجه جزء منها نحو السوق الموازية لشراء العملات الأجنبية، الأمر الذي يرفع من سعر الصرف ويعمّق الفجوة مع السعر الرسمي. ودعا إلى أن معالجة هذا الاختلال تتطلب استعادة الثقة في القطاع المصرفي، وتحسين مستوى الخدمات، إلى جانب التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني، بما يسهم في إعادة دمج هذه السيولة داخل المنظومة المالية الرسمية.
