بنوك عربية
تُعدّ مجموعة البنك الإفريقي للطاقة، إحدى المبادرات القارية الرامية إلى دعم تمويل المشاريع الطاقوية في إفريقيا، لاسيما المشاريع الهيكلية، المرتبطة بتطوير قطاع الطاقة، وتحسين الولوج إليها وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويأتي هذا المشروع، في إطار تعاون بين المنظمة الإفريقية للدول المنتجة للنفط(APPO)، وبنك التصدير والاستيراد الإفريقي (Afreximbank)، بهدف إنشاء آلية تمويل موجهة لدعم الاستثمارات الطاقوية، وتسريع تطوير المشاريع في القارة.
وفي ظل التحديات التي تواجه تمويل مشاريع الطاقة، يبرز البنك الإفريقي للطاقة بوصفه أداة لدعم التكامل الطاقوي، وتعزيز الاستثمار وتطوير حلول تمويل مبتكرة، تسهم في تحقيق التنمية المستدامة في إفريقيا، في وقت تواصل فيه الجزائر الدفع بقوة نحو تسريع إطلاقه وترجمته إلى واقع عمَلي.
وفي هذا السياق، واصلت الجزائر تحركاتها الرامية إلى تسريع إطلاق البنك الإفريقي للطاقة، من خلال مشاركتها الفاعلة في أشغال الطبعة التاسعة لمعرض ومؤتمر نيجيريا الدولي للطاقة (NIES 2026)، إذ برز هذا المشروع المالي القاري كأحد المحاور الرئيسية للنقاش خلال الاجتماعات الرسمية ولقاءات العمل التي احتضنتها العاصمة النيجيرية أبوجا بين 2 و5 فيفري الجاري.
وقد شارك الأمين العام لوزارة المحروقات والمناجم، ميلود مجلد، ممثلا لوزير الدولة وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب، في اجتماع رسمي خُصص لمتابعة مسار تفعيل البنك، بحضور ممثل الجزائر لدى منظمة APPO وعدد من إطارات الوزارة ومجمع سوناطراك، إذ جرى التطرق إلى الجوانب العملية والتنظيمية الكفيلة بتسريع إطلاق هذه المؤسسة المالية وجعلها عملياتية في أقرب الآجال.
وشكّل هذا اللقاء، الذي جمع أيضا الأمين العام لمنظمة APPO فريد غزالي ومسؤولين من بنك Afreximbank، فضاء لتبادل الرؤى حول السبل الكفيلة بتمكين البنك الإفريقي للطاقة من أداء دوره المحوري في تمويل المشاريع الطاقوية الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بالبنى التحتية وتحسين الولوج إلى الطاقة، بما يدعم مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويعزز النمو الشامل في القارة.
كما تواصلت الاجتماعات ضمن نفس الحدث، حيث خُصص لقاء عمل ثان لمتابعة التقدم في إجراءات الإطلاق، مع التركيز على تسريع المسار التنفيذي وتمكين البنك من تمويل المشاريع الهيكلية، بما يسهم في تطوير القطاع الطاقوي وتعزيز التكامل الإفريقي في هذا المجال. وعلى هامش هذه الاجتماعات، قام الوفد الجزائري بزيارة المقر الجديد للبنك الإفريقي للطاقة في أبوجا، واطلع على مرافقه وهياكله التنظيمية التي ستحتضن نشاطه خلال المرحلة المقبلة، في خطوة تعكس تقدم مسار تجسيد المشروع على أرض الواقع.
كما أجرى مجلد لقاءات ثنائية مع عدد من المسؤولين، من بينهم وزير الموارد البترولية النيجيري المكلف بالغاز إكبيريكبي إكبو، حيث استعرض الجانبان آفاق تعزيز التعاون في مجالات النفط والغاز، إلى جانب المشاريع الاستراتيجية المشتركة، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، فضلا عن التعاون في مجالات التكوين ونقل التكنولوجيا والبحث والتطوير، بما يدعم القدرات التقنية ويعزز التكامل الطاقوي الإفريقي.
وبذلك، شكّلت مخرجات معرض ومؤتمر نيجيريا الدولي للطاقة 2026 محطة بارزة في مسار تفعيل البنك الإفريقي للطاقة، الذي يُرتقب أن يسهم في إعادة تشكيل خريطة تمويل المشاريع الطاقوية في القارة، ودعم جهود التنمية الشاملة، وتكريس توجه إفريقي نحو بناء أدوات مالية مستقلة تخدم أولويات القارة.
البنك الإفريقي للطاقة خيار استراتيجي للقارة
ويؤكد طرح هذا المشروع مجددا في النقاشات القارية أنه لم يعد مجرد تصور نظري، بل خيارا استراتيجيا تتقاطع حوله الرؤى الإفريقية لبناء تمويل سيادي يخدم التنمية ويمنح القارة قدرة أكبر على التحكم في مستقبلها الطاقوي. وفي هذا الإطار، صرّح الخبير وضاح الطه عضو الجمعية العالمية لاقتصاديات الطاقة (اقتصاد نفط – الإمارات) لـ”الأيام نيوز” أن إنشاء البنك الإفريقي للطاقة يمثل “تحوّلا نوعيا في مقاربة تمويل قطاع الطاقة في إفريقيا”، باعتباره خطوة عملية لتقليص الارتهان التاريخي للمؤسسات المالية الدولية وشروطها، وتمكين الدول الإفريقية من صياغة سياساتها الطاقوية وفق أولوياتها التنموية والسيادية.
وضاح الطه
ويمتد هذا التصور، وفق الطه، إلى قدرة البنك على لعب دور محوري في معالجة فجوة التمويل التي تُقدّر بنحو 50 مليار دولار سنويا، خاصة في مشاريع الطاقات المتجددة والبنى التحتية الاستراتيجية، مع توفير تمويلات أقل كلفة وأكثر استقرارا. ويرتبط نجاح هذه الرؤية، كما يوضح، بضرورة تفعيل البنك ضمن إطار حوكمة صارم ورأسمال كاف يضمن توجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأثر الاقتصادي المباشر، خصوصا تلك التي تحسن الولوج إلى الطاقة وتدعم التنمية المستدامة في القارة.
ومن زاوية مرتبطة بالدور الإقليمي، يبرز الطه أن الجزائر مرشحة للاستفادة بقوة من هذا التوجه القاري، بالنظر إلى امتلاكها قاعدة طاقوية متينة وخبرة معتبرة في مجالي الغاز والطاقة الشمسية، وهو ما يؤهلها لتكون فاعلا محوريا في أمن الطاقة الإفريقي ومركزا جاذبا للاستثمارات القارية، شريطة الربط بين التمويل القاري والإصلاحات التقنية والمؤسساتية التي تضمن نجاعة المشاريع واستدامتها. ويقود هذا الطرح إلى بعد أعمق يتعلق بطبيعة التحول المنتظر في منظومة التمويل الطاقوي داخل القارة.
فمن منظور أكثر شمولا، يربط الطه نجاح البنك بسرعة استكمال إطاره التنظيمي واعتماد حوكمة شفافة قادرة على طمأنة المستثمرين وتوجيه التمويلات نحو مشاريع بنيوية تعزز التصنيع المحلي وتخلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصادات الإفريقية. وفي هذا السياق، يلفت إلى أن الرهان لا يقتصر على توفير موارد مالية جديدة، بل يمتد إلى إعادة هندسة منظومة تمويل الطاقة في إفريقيا على أسس أكثر استقلالية وواقعية، خاصة في ظل الفجوة الهيكلية بين الاحتياجات الطاقوية المتنامية والأدوات التمويلية المتاحة، وهو ما أدى في السابق إلى تعطّل العديد من المشاريع رغم توفر الموارد الطبيعية.
ويبرز في هذا الإطار تصور يقوم على اعتماد نموذج تمويلي متدرج ومرن يجمع بين القروض طويلة الأجل وآليات تقاسم المخاطر والتمويل المشترك، بما يسمح بجذب رؤوس الأموال القارية والخاصة دون الوقوع في فخ المديونية أو الارتهان لشروط خارجية. كما يشير إلى أهمية تحقيق توازن استراتيجي بين تمويل الطاقات التقليدية، باعتبارها ركيزة للأمن الطاقوي، ودعم الانتقال التدريجي نحو الطاقات المتجددة وفق خصوصيات كل دولة، وهو ما يمنح البنك، إذا ما تم تفعيله بهذه الرؤية، بعدا سياديا يتجاوز كونه مؤسسة مالية تقليدية ليصبح أداة تنموية شاملة تعزز قدرة إفريقيا التفاوضية في المشهد الطاقوي العالمي.
البنك الإفريقي للطاقة.. نحو تمويل مستدام
هذا التصور حول البعد السيادي والتمويلي للبنك الإفريقي للطاقة يفتح المجال لقراءة اقتصادية مكمّلة تركّز على أثره في إعادة رسم خريطة التمويل الطاقوي داخل القارة. وفي هذا السياق، صرّح الخبير الاقتصادي خثير شين لـ”الأيام نيوز” أن البنك الإفريقي للطاقة يمثل “فرصة استراتيجية لإعادة رسم خريطة تمويل الطاقة في القارة الإفريقية”، معتبرا أنه يتيح للدول الإفريقية إمكانية صياغة سياساتها الطاقوية بعيدا عن قيود التمويل الخارجي التقليدي، بما يمنحها قدرة أكبر على التحكم في خياراتها الطاقوية وجدولة مشاريعها طويلة الأمد وضمان استدامة التمويل.

خثير شين
ويمتد هذا الطرح إلى البعد العملي المرتبط بفعالية البنك، إذ يشير شين إلى أن نجاحه يعتمد على قدرته على تعبئة رأس المال القاري وتطوير إطار تنظيمي وحوكمة مالية شفافة توجه الموارد نحو المشاريع الأكثر جدوى وتأثيرا اقتصاديا واجتماعيا. ويبرز في هذا السياق أن التحدي يتمثل في تحويل البنك إلى أداة قادرة على تمويل مشاريع البنية التحتية وربط الشبكات الكهربائية وتحسين الولوج إلى الطاقة في المناطق النائية، لما لذلك من أثر مباشر على التنمية المستدامة في القارة.
كما يلفت إلى أن البنك يمكن أن يشكل منصة جاذبة للاستثمارات الخاصة من خلال توفير بيئة تمويل مستقرة تقلل المخاطر المرتبطة بالمشاريع الكبرى، وهو ما يعزز الابتكار ويوفر فرص عمل ويخلق قيمة مضافة داخل الاقتصادات الوطنية. ويقود هذا المنظور إلى إبراز دور الجزائر ضمن هذا المسار، إذ يشير شين إلى أن خبرتها الطويلة في مجالي الغاز والطاقة الشمسية، إلى جانب بنيتها التحتية المتطورة، تجعلها شريكا أساسيا في إنجاح هذا المشروع القاري، ليس فقط من خلال المشاركة، بل عبر نقل الخبرات وبناء القدرات الوطنية والقارية في قطاع الطاقة.
ويمتد التحليل إلى مسألة التوازن بين مصادر الطاقة، إذ يؤكد شين أن البنك مطالب بتوفير تمويل مستدام يواكب التحول الطاقوي مع الحفاظ على دور الطاقات التقليدية في ضمان استقرار الإمدادات وبناء قاعدة صلبة للتنمية الصناعية. وينتهي هذا التصور إلى أن البنك الإفريقي للطاقة، في حال تفعيله وفق هذه الرؤية، لن يكون مجرد مؤسسة مالية، بل رافعة استراتيجية لإعادة تمكين إفريقيا اقتصاديا وطاقويا، وتحويل التمويل الطاقوي إلى محرك للتنمية المستدامة، وتعزيز التكامل القاري، ومنح الدول الإفريقية قدرة تفاوضية أكبر على الساحة الدولية.
