بنوك عربية
في الاقتصادات التي تتسارع فيها وتيرة التحول الرقمي مقابل تراجع قدرة الدولة على ضبط مؤسساتها المالية، لا يُعدّ تعطل تطبيق مصرفي مجرد خلل تقني عابر، بل مؤشراً مقلقاً على أزمة ثقة أعمق تمس الحوكمة والسيادة المالية. هذا المشهد يطفو اليوم على سطح الواقع السوداني، مع تصاعد الجدل حول الأعطال المتكررة لتطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم بالسودان.
والتطبيق، الذي تحوّل إلى شريان يومي لملايين المستخدمين في الأسواق والمتاجر، بات محور تحقيق استقصائي مرتقب، يقول الصحفي طلال مدثر إنه سيكشف ما يجري خلف هذه الأعطال المتكررة، التي عطّلت المدفوعات وأربكت الأنشطة التجارية في اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على الخدمات المصرفية عبر الهاتف لتعويض انهيار القنوات التقليدية.
التساؤل الذي طرحه مدثر — «هل أموالك في جيبك أم في يد غيرك؟» — يلخّص حالة القلق المتنامي لدى المواطنين. فعبارة “بنكك واقف” لم تعد مجرد توصيف لحالة تقنية، بل تحولت إلى جزء من اللغة اليومية، تعكس هشاشة الثقة في منظومة مالية رقمية باتت أساسية للحياة الاقتصادية.
ووفق ما يرشح عن التحقيق، فإن القضية تتجاوز حدود الأعطال الفنية إلى أسئلة أكثر حساسية، تتعلق بمكان وجود الخوادم التي تدير بيانات العملاء، ومدى خضوع البنية الرقمية التي يعتمد عليها ملايين السودانيين لسيطرة وطنية كاملة. وفي بلد يعاني هشاشة مؤسسية وصراعاً ممتداً، يكتسب النقاش حول “السيادة الرقمية” بعداً سيادياً وأمنياً بالغ الأهمية.
ويشير مدثر إلى ما وصفه بـ“صمت القبور” داخل بنك الخرطوم، في إشارة إلى غياب الشفافية بشأن أسباب الأعطال وعدم صدور توضيحات رسمية تشرح ما يجري خلف واجهة التطبيق. ويتناول التحقيق المنتظر جملة من التساؤلات التي لم تجد إجابة حتى الآن، من بينها: لماذا لم يكتمل الربط بين بنك الخرطوم وبقية التطبيقات المصرفية؟ هل تُدار بيانات العملاء داخل السودان أم خارجه؟ ومن يتحمل المسؤولية القانونية عن الخسائر التي يتكبدها التجار والمستهلكون عند توقف الخدمة؟
كما يسلّط التحقيق الضوء على دور البنك المركزي، ومدى علمه أو إشرافه على البنية التقنية التي يعتمد عليها أكبر بنك تجاري في البلاد، وسط تساؤلات حول فعالية الرقابة التنظيمية في ظل التحول الرقمي المتسارع.
ويؤكد الصحفي أنه وجّه أسئلة رسمية إلى إدارة بنك الخرطوم، شملت المدير العام ومجلس الإدارة وإدارة الامتثال، على أن يتم نشر التحقيق كاملاً فور استكمال الردود. وفي هذا السياق، دعا المواطنين والتجار إلى مشاركة تجاربهم مع تعطل التطبيق، معتبراً أن الهدف من التحقيق يتمثل في حماية حقوق المستخدمين وكشف مصير أموالهم.
ومع اقتراب نشر التحقيق، تتجاوز القضية حدود تطبيق مصرفي بعينه، لتفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل الخدمات المالية الرقمية في السودان، وقدرة المؤسسات المصرفية والرقابية على استعادة ثقة الجمهور في وقت تتعرض فيه البنية الاقتصادية لضغوط غير مسبوقة.