بنوك عربية
يجد المحافظ الجديد في بنك الجزائر المركزي محمد لمين لبو نفسه في مواجهة عدة ملفات، أبرزها التحكم في الاحتياطيات النقدية الأجنبية ومعدلات التضخم وسعر صرف الدينار وسوق العملة الصعبة الموازية والمنحة السياحية واستعمال الدفع النقدي (الكاش) وملفات أُخرى، بعضها مستمر منذ أعوام طويلة، علماً أنه المسؤول السادس على رأس هذه المؤسسة المالية خلال 10 أعوام.
وكما هو معلوم، فقد عُيّن المحافظ الجديد من طرف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قبل أيام خلفاً لمعتصم بوضياف، الذي كان قد كُلّف بمهام المحافظ بالنيابة في 4 يناير/كانون الثاني 2026.
وكان بوضياف قد عوّض المحافظ الأسبق المُقال صلاح الدين طالب الذي أُنهِيت مهامه بشكل مفاجئ من طرف الرئيس الجزائري، عقب إجراءات مثيرة للجدل كان قد اتخذها نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، تتعلق بمنع الإيداعات النقدية في الحسابات التجارية للبنوك. وسبق لمحمد لمين لبو أن شغل منصب الرئيس التنفيذي للبنك الوطني الجزائري (حكومي)، وعُيّن لاحقاً مسؤولاً عن فرع بنك الجزائر الخارجي بالعاصمة الفرنسية باريس.
ويُعد لبو سادس محافظ في بنك الجزائر خلال عقد من الزمن، حيث تداول على المنصب كل من محمد لوكال ما بين 2016 و2019، ثم أيمن بن عبد الرحمن (رئيس الوزراء الأسبق) في الفترة 2019–2020، ثم رستم فاضلي من 2020 إلى 2022، فصلاح الدين طالب من 2022 إلى 2026، ومعتصم بوضياف الذي أشرف على المنصب بالنيابة لأقل من شهرين، وتحديداً من 4 يناير/كانون الثاني 2026 وحتى 23 فبراير/شباط.
وقبل ذلك، شكّل محمد لكصاصي الاستثناء، إذ شغل المنصب منذ مطلع الألفية واستمر فيه مدة 15 عاماً (2001–2016)، وهي الفترة التي انتهت على وقع الصدمة النفطية التي أدت إلى تراجع حاد في إيرادات البلاد من النقد الأجنبي وانخفاض قيمة الدينار.
في هذا السياق، يعتقد الخبير المالي والجبائي بوبكر سلامي في حديثه لـ”العربي الجديد” أن ملف السوق الموازية للعملة الصعبة يُعد من أبرز وأعقد الملفات المطروحة أمام المحافظ الجديد في بنك الجزائر في ظل الطلب الكبير على العملة الصعبة، ومنع الاتجار بها قانوناً خارج الإطار الرسمي، مقابل واقع عملي يشير إلى انتشار هذه الممارسات على نطاق واسع. وشدد المتحدث على أن هذه الملفات تمثل، في مجملها، ورشات أساسية تنتظر المحافظ الجديد، لما لها من ارتباط مباشر بالاقتصاد الوطني وصورة الجزائر وسياساتها النقدية والمالية.
حكومة الجزائر تعلن قرارات اعفاء وتطهير ضريبي
وأوضح سلامي أن منصب محافظ بنك الجزائر يُصنّف ضمن المناصب الحساسة جداً، ويرتقي في بعض الدول، وحتى في الجزائر، إلى مستوى منصب وزير، بالنظر إلى حجم الصلاحيات والمسؤوليات المرتبطة به. وأشار إلى أن تعاقب عدة محافظين على رأس بنك الجزائر خلال فترة قصيرة يطرح مسألة عدم الاستقرار في هذا المنصب، وهو ما قد تكون له انعكاسات على السياسة المالية والنقدية، في سياق اقتصادي يتطلب، حسب رأيه، استمرارية في الرؤية والقرارات.
وفي ما يتعلق بالسوق الموازية للعملة الصعبة، لفت سلامي إلى أن الاتجار بالعملة خارج الإطار الذي حدده المشرّع ممنوع قانوناً، غير أن الإشكال يتمثل في غموض الموقف العملي من هذه السوق، متسائلاً عمّا إذا كان هذا النشاط يُعد ممنوعاً فعلياً، أم أن هناك تغاضياً عنه بالنظر إلى دوره في تلبية جزء من الطلب وتوفير بعض التوازنات، خاصة في فترات تراجع احتياطي الصرف. وأوضح أن الطلب على العملة الصعبة يبقى مرتفعاً، ما يجعل السوق الموازية مصدراً أساسياً لتلبية احتياجات عدد كبير من المواطنين، بل وحتى بعض المتعاملين الاقتصاديين، في ظل محدودية القنوات الرسمية.
وتوقف عند السياسات العمومية المعمول بها، مشيراً إلى أن السماح باستيراد السيارات أقل من ثلاثة أعوام، دون تمكين المعنيين من الحصول على العملة الصعبة عبر البنوك، يدفع عملياً إلى اللجوء إلى السوق الموازية، باعتبار أن النظام البنكي لا يوفر العملة الصعبة لهذا الغرض. وتساءل عن مصدر العملة الصعبة التي يعتمد عليها المواطنون في مثل هذه العمليات، معتبراً أن الجواب العملي هو اللجوء إلى السوق الموازية، ما يعني، وفق تعبيره، وجود سماح ضمني وغير مباشر بالتعامل خارج الإطار البنكي، رغم الطابع غير القانوني لهذه الممارسات.
كما تطرق إلى ملف “المستورد المصغر” (تجار الشنطة)، موضحاً أن هذا النشاط يسمح للشباب بممارسة الاستيراد ضمن سقف سنوي يُقدّر بنحو 3.6 ملايين دينار جزائري، غير أن القانون لا يتيح لهؤلاء الحصول على العملة الصعبة عبر البنوك، ما يطرح مجدداً إشكالية مصادر التمويل. وأضاف أن النصوص القانونية تشير إلى اعتماد هؤلاء على “وسائلهم الخاصة” لتوفير العملة الصعبة، معتبراً أن هذه الصيغة، في غياب توضيح قانوني صريح، تعني عملياً اللجوء إلى السوق الموازية، وهو ما يشكل، بحسبه، ترخيصاً ضمنياً غير معلن لهذه السوق.
وأكد سلامي أن هذا الوضع يمس صورة السياسة النقدية والمالية الجزائرية، خاصة في ظل علم مختلف القطاعات الرسمية بانتشار الاتجار بالعملة الصعبة، بما في ذلك السلطات الإدارية والأمنية ووزارات المالية والتجارة ومصالح الجمارك، مشيراً إلى أن هذه الممارسات تحدث في مواقع معروفة، من بينها ما يُعرف بسوق “السكوار”.
وفي ملف مكاتب الصرف، أشار إلى أن القوانين المنظمة لهذا النشاط موجودة، ومُنحت بالفعل تراخيص لعدد من الشركات، غير أن هذه المكاتب لم تدخل حيز النشاط حتى الآن، دون صدور توضيح رسمي لأسباب هذا التأخر.
واعتبر أن تفعيل مكاتب الصرف من شأنه توفير إطار قانوني لتداول العملة الصعبة، والحد من توسع السوق الموازية، وتحسين صورة النظام المالي. وفي ما يخص سعر الصرف، لفت إلى الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، موضحاً أن السعر الرسمي يتراوح بين 145 و155 ديناراً، في حين يقترب سعر اليورو في السوق الموازية من 290 ديناراً، وقد يصل في بعض المناطق إلى نحو 300 دينار.
كما أوضح أن هذا الاختلال يفرض معالجة شاملة لسياسة الصرف، من خلال دراسة اعتماد معدلات مختلفة للمعاملات التجارية وغير التجارية، بما يخفف الضغط على الطلب المرتفع على العملة الصعبة. وأشار إلى أن تمكين المواطنين من شراء العملة الصعبة لأغراض السياحة بأسعار أقرب إلى الواقع قد يساهم في تقليص حجم التعاملات في السوق الموازية، إلى جانب تشديد الرقابة وتجريم الاتجار غير القانوني بالعملة الصعبة.
من جهته، يرى الخبير المالي والمصرفي مصطفى زروالي، أن تعيين محافظ جديد يشكل فرصة لإعادة التفكير في طرق التسيير وإعادة الهيكلة، والبحث عن حلول فعالة لملفات معقدة. ويضع زروالي على رأس الأولويات مسألة ازدواجية سعر صرف الدينار ووجود سوق موازية، معتبراً أن هذا الوضع يعقّد تنفيذ الاستراتيجيات الاقتصادية ويشكل بؤرة لمخاطر متعددة.
كما يبرز أهمية الشمول المالي والتحول الرقمي، خاصة مشاريع الدينار الرقمي ومنظومات الدفع الإلكتروني، مشيراً إلى أن هذه المشاريع ظلت مهملة في فترات سابقة.
ومن بين الملفات ذات الأولوية أيضاً، تسيير احتياطيات الصرف، في ظل التحولات العالمية، بما فيها تصاعد ما يُعرف بالحروب النقدية وتغير مكونات الاحتياطيات. وفي ما يتعلق بالتضخم، ركّز على الشق المستورد منه، خاصة في ظل التعامل مع اقتصادات تعتمد سياسات نقدية توسعية. ووصف هذا الملف بالحساس، نظراً إلى تأثيره المباشر على القدرة الشرائية، معتبراً أنه عنصر أساسي في القرارات المرتقبة.
وأكد أن معالجة هذه الملفات لا تقوم على حلول أحادية، بل تتطلب تطوير الأدوات التحليلية والاستثمار في التكنولوجيا وبناء كفاءات بشرية قادرة على اتخاذ قرارات فعالة.
وختم بالإشارة إلى أن كيفية احتساب سعر الصرف الرسمي للدينار الجزائري تبقى من أبرز التحديات التي تنتظر المحافظ الجديد، نظراً إلى ارتباطها المباشر بالاقتصاد الوطني والسياسات المالية والنقدية.