بنوك عربية
يفتح صعود العملات الرقمية وترميز الأصول الباب أمام تحولات عميقة في طرق تداول الأموال وإدارة الأنظمة المالية، ما يدفع عدداً من الدول إلى إعادة التفكير في نماذجها النقدية والبنكية التقليدية.
وذلك ما تطرق له الكاتبان عبد الرحمان الصنيهجي وزكرياء بودي، في مقال تقاسماه مع موقع “اقتصادكم”، إذ أكدا أن التحولات التي تعرفها المنظومة المالية العالمية لم تعد مجرد موجات عابرة من الابتكار التكنولوجي، بل أضحت تعيد رسم التوازنات الاقتصادية والمالية بشكل عميق وصامت، خاصة مع صعود “ترميز الأصول والعملات” الذي تحول من تجربة تقنية هامشية إلى أحد المرتكزات الأساسية للبنية التحتية المالية والنقدية المستقبلية.
وذلك في ظل انتقال القيمة، سواء كانت عملات أو سندات أو ديونا أو حقوقا، إلى بنى رقمية قابلة للبرمجة تسمح بأتمتة تداولها وتحديد شروط استخدامها وتتبعها بشكل دقيق.
وبهذا المعنى، تتحول المالية إلى منظومة منطقية تُدمج فيها القواعد داخل الآليات نفسها، بدل الاكتفاء بتطبيقها بعد تنفيذ العمليات.
ويُعد هذا التحول جوهريا، لأنه يعيد تشكيل دور الوسطاء الماليين، ويغير سلاسل التسوية، ويقلص الآجال الزمنية والكلفة، كما يفتح الباب أمام بُعد جديد يتمثل في “قابلية برمجة العملة والتدفقات المالية”.
وعلى المدى الطويل، قد يؤثر ذلك في المدفوعات اليومية، وتمويل الشركات، وأسواق الرساميل، وحتى أدوات السياسات العمومية.
وتدرك القوى الاقتصادية الكبرى حجم هذا التحول، إذ تعمل البنوك المركزية عبر العالم على استكشاف أشكال مختلفة من العملات الرقمية السيادية، بينما تسارع المؤسسات المالية إلى تحديث بنياتها التحتية، وتسعى الشركات التكنولوجية الكبرى إلى السيطرة على طبقات الاستخدام والخدمات المرتبطة بها.
وفي خلفية هذا الحراك، تتضح حقيقة أساسية: المنافسة لم تعد تدور فقط حول الأدوات المالية، بل حول البنيات التحتية التي تجعل هذه الأدوات ممكنة.
وأوضح الكاتبان أن مفهوم السيادة النقدية بات يكتسب أبعادا جديدة، إذ لم يعد مقتصرا على إصدار العملة أو تنظيم تداولها، بل أصبح مرتبطًا بالتحكم في “السكك الرقمية” التي تمر عبرها الأموال، وفي البروتوكولات التي تنظم استخدامها، وفي القدرة على منع انتقال الوظائف الحيوية نحو أنظمة خارجية لا تخضع للسيطرة الوطنية.
ويبدو هذا التحدي أكثر حدة بالنسبة للاقتصادات الناشئة والمتوسطة، التي أظهرت التجارب السابقة مدى هشاشتها أمام التبعية للبنيات المالية الخارجية، سواء من حيث الكلفة أو من حيث محدودية هامش القرار.
ومن هنا، تفتح عملية الترميز نافذة استراتيجية مهمة، تسمح بإعادة التفكير في البنيات النقدية في مرحلة لم تُحسم فيها المعايير العالمية بشكل نهائي بعد.
وفي هذا الإطار، يجد المغرب نفسه اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فالمملكة تتوفر على عناصر قوة مهمة، من بينها الاستقرار الماكرو اقتصادي، والنظام البنكي المنظم، والانفتاح الإقليمي، والرغبة الواضحة في التحديث.
لكنها، مثل كثير من الاقتصادات، لا تزال مرتبطة ببنيات تسوية دولية لا تتحكم في قواعدها أو تكلفتها أو مسارات تطورها. وفي زمن أصبحت فيه العملة قابلة للبرمجة، فإن عدم الاستثمار في بنية نقدية وطنية متطورة قد يعني تكريس شكل جديد من التبعية.
ولا ينبغي النظر إلى “ترميز الدرهم”، سواء عبر عملة رقمية للبنك المركزي، أو ودائع بنكية رقمية، أو عملة مستقرة مرتبطة بالدرهم، كغاية في حد ذاتها، بل كأداة لتحول أوسع يهدف إلى تحسين كفاءة المدفوعات، وتعزيز تتبع التدفقات المالية، وتسهيل الولوج إلى الخدمات المالية، وتعبئة الادخار، خاصة ادخار الجالية المغربية بالخارج.
لكن الرهان الحقيقي يتجاوز هذه المكاسب التقنية. فالمسألة ترتبط أساسًا بالتموقع الاستراتيجي للمغرب داخل الاقتصاد العالمي الجديد.
ففي عالم أصبحت فيه البنيات المالية أدوات قوة ونفوذ، يمكن للمغرب أن يكتفي باستعمال حلول طُورت في الخارج، أو أن يختار بناء قدراته الخاصة بما ينسجم مع أولوياته الاقتصادية والجيوسياسية.
غير أن تحقيق هذا الطموح يتطلب تجاوز المقاربة المجزأة للابتكار، فالترميز لا يقتصر على إصدار أصل رقمي، بل يستدعي إنشاء منظومة متكاملة تشمل السجلات الموزعة، وأنظمة الأداء، وإدارة الهوية الرقمية، وآليات الامتثال، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني، فضلًا عن القدرة على الاندماج مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض رؤية شاملة تجمع بين السلطات العمومية، والمؤسسات المالية، والفاعلين التكنولوجيين.
كما يفرض هذا التحول قدرا كبيرا من الصرامة، لأن الثقة تظل الأساس الذي تقوم عليه أي عملة. لذلك، فإن نجاح الانتقال نحو أشكال نقدية مرمزة يقتضي ضمان شفافية الاحتياطات، ومتانة البنيات التقنية، ووضوح الإطار القانوني، وفعالية الرقابة والتنظيم.
وفي الآن نفسه، يدعو هذا التحول إلى التفكير خارج الحدود الوطنية. فالمغرب، بحكم موقعه الإفريقي، قادر على لعب دور محوري في بناء بنى أداء إقليمية جديدة. ويمكن لعملة رقمية وطنية مصممة بشكل جيد وقابلة للتشغيل البيني أن تسهم في تسهيل المبادلات داخل القارة، وتقليص كلفة المعاملات، وتعزيز الاندماج الاقتصادي الإفريقي.
وفي النهاية، فإن الرهان لا يتعلق فقط بالتحديث التقني، بل بمكانة المغرب داخل الاقتصاد العالمي المقبل. ففي عالم تتحول فيه العملة إلى أداة قابلة للبرمجة، تصبح السيادة الاقتصادية، والقدرة التنافسية، والابتكار، عناصر مرتبطة مباشرة بالبنية النقدية للدول.
ومن هذا المنطلق، لم يعد الأمر يتعلق بما إذا كان المغرب ينبغي أن ينخرط في هذا التحول، بل بكيفية القيام بذلك: كيف يمكن تحديث البنية النقدية الوطنية بما يجعلها متوافقة مع متطلبات القرن الحادي والعشرين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار المالي، والتوازنات الاحترازية، والسيادة الاستراتيجية للمملكة؟