بنوك عربية
يتحول القطاع المالي الجزائري إلى إحدى الواجهات الجديدة لجذب المستثمرين العالميين، في ظل إصلاحات اقتصادية ومصرفية ورقمنة متسارعة، تقودها وزارة المالية الجزائرية وبنك الجزائر المركزي، وتدعمها مؤشرات نمو مستقرة، وحوافز استثمارية، ومنظومة مصرفية تتجه نحو الشفافية والحوكمة وأسواق رأس المال.
وتضع هذه الديناميكية الجزائر في موقع مختلف داخل شمال إفريقيا، ليس فقط كسوق كبيرة تضم 47 مليون مستهلك، بل كبوابة محتملة نحو الأسواق الإفريقية والمتوسطية، في وقت تبحث فيه رؤوس الأموال الدولية عن اقتصادات مستقرة، واضحة القواعد، وقابلة للنمو.
وفي تقرير اقتصادي نشرته Business Focus، ورصدته تادامسا نيوز، برزت الجزائر كوجهة مالية واستثمارية صاعدة، حيث تتقاطع الإصلاحات الاقتصادية والمالية مع التموضع الجيوستراتيجي للبلاد، لتجعلها، وفق التقرير، فرصة استثمارية لافتة أمام المستثمرين العالميين. ويركز التقرير على الدور المحوري لكل من وزارة المالية وبنك الجزائر في إعادة تشكيل البيئة المالية، من خلال تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، تحديث البنية التحتية المالية، توسيع الشمول المالي، وتحسين قابلية التنبؤ بمناخ الأعمال.
واجهة مالية جديدة
ويعرض التقرير قانون المالية للعام المالي 2026 باعتباره إحدى أدوات هذا التحول. فبالنسبة لوزير المالية عبد الكريم بوزرد، تتمحور الاستراتيجية الاقتصادية للحكومة حول الحفاظ على النمو، مع بناء بيئة استثمارية أكثر ديناميكية وشمولا.
ويعكس القانون هذه الرؤية عبر مزيج من حوافز الاستثمار، وإصلاحات القطاع المالي، وتدابير الحفاظ على القدرة الشرائية، مع دعم التنمية طويلة الأمد. وبذلك، لا تقدم الجزائر الإصلاح المالي كإجراء تقني منفصل، بل كجزء من مسار أوسع يهدف إلى تحريك الاستثمار وتمويل النمو.
ومن بين الأدوات الجديدة التي توقف عندها التقرير إدخال إصدارات لسندات الخزينة مهيكلة وفق مبادئ المالية الإسلامية. وتستهدف هذه المبادرة جذب مدخرات ظلت في كثير من الأحيان خارج النظام المصرفي، وإدماجها في الاقتصاد الرسمي. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تجمع بين توسيع قاعدة التمويل الداخلي وتعزيز الشمول المالي، عبر صيغ قادرة على استقطاب شرائح من المدخرين والمتعاملين الذين يفضلون منتجات متوافقة مع مبادئ الصيرفة الإسلامية.
وبالتوازي مع ذلك، تقدم الرقمنة كأحد أعمدة الإصلاح المالي في الجزائر. فقد سرّعت وزارة المالية تحديث الإدارة العمومية من خلال رقمنة السجلات الضريبية، والسجلات العقارية، والإجراءات الجمركية. ولا يقتصر أثر هذه العملية على تحسين الخدمة الإدارية، بل يمتد إلى رفع الشفافية، تقوية الرقابة، تحسين كفاءة الخدمات العمومية، وتقليص مساحات الغموض في التعاملات، بما يخلق بيئة أعمال أكثر وضوحا أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
سوق مفتوحة نحو إفريقيا
وفي هذا السياق، ينقل تقرير عن وزير المالية عبد الكريم بوزرد تأكيده أن الجزائر تتحرك وفق رؤية اقتصادية تقوم على الحفاظ على النمو، وفي الوقت نفسه بناء بيئة استثمارية أكثر ديناميكية وشمولا. ويقول بوزرد إن “الجزائر بلد مفتوح للجميع، وفرص الاستثمار فيها وفيرة وقائمة، ويمكن التموقع فيها كفاعل اقتصادي داخل السوق المحلية، كما يمكن النظر إليها كمنصة انطلاق نحو أسواق أخرى.” وهذا التصريح يضع الجزائر في موقع يتجاوز السوق الوطنية، ليقدمها كبوابة استثمارية نحو العمق الإفريقي والمتوسطي، خاصة في ظل مشاريع النقل والربط الإقليمي وتوسع البنية التحتية.
كما يضيف وزير المالية، وفق التقرير، أن الجزائر تولي أهمية خاصة لموقعها داخل إفريقيا، باعتبارها بلدا إفريقيا له روابط طبيعية متجذرة في القارة. ويقول بوزرد: “لطالما أولت الجزائر أهمية خاصة لموقعها في إفريقيا، باعتبارها بلدا إفريقيا يرتبط بروابط طبيعية متجذرة في تلك المنطقة.” ومن هذه الزاوية، لا تبدو الاستثمارات في السكك الحديدية والبنية التحتية للنقل مجرد مشاريع داخلية، بل أدوات لربط الجزائر بالأسواق المجاورة ودعم الاندماج الاقتصادي الإقليمي.
ويشدد بوزرد كذلك على أن “الجزائر واعية بدورها في إفريقيا، وبعلاقاتها مع بلدان القارة، وبأهمية المصالح المشتركة.” وهذا الانخراط الإقليمي، كما يعرضه التقرير، يخلق فرصا جديدة في التجارة، اللوجستيك، والتعاون الصناعي عبر القارة، ويمنح الجزائر موقعا يتجاوز حدود السوق الداخلية، خاصة مع توسع الربط نحو الساحل والأسواق الإفريقية.
47 مليون مستهلك ورقابة مصرفية
ويقدم بوزرد أرقاما مباشرة تعكس حجم السوق الجزائرية، قائلا إن “الجزائر تضم حاليا نحو 47 مليون مستهلك، ويقترب الإنتاج المحلي من 250 مليار دولار، ولذلك توجد سوق حقيقية.” ويضيف أن الإمكانات الاستثمارية لا تزال غير مستغلة جزئيا بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة في الصناعة والزراعة والسياحة، خارج قطاع المحروقات. وتمنح هذه الأرقام ثقلا اقتصاديا للتقرير، لأنها لا تقدم الجزائر كوجهة قائمة على الإمكانات النظرية فقط، بل كسوق واسعة ذات طلب داخلي وقدرة إنتاجية وهامش نمو غير مستغل.
وفي مقابل هذا الدور الحكومي، يكمل بنك الجزائر المسار عبر الحفاظ على الاستقرار المالي في القطاع المصرفي. وينقل التقرير عن محافظ بنك الجزائر، محمد الأمين لبو، قوله: “في بيئة عالمية سريعة التغير، يجب على الجزائر أن تعزز العمل المصرفي الخاص لزيادة ثقة الجمهور، وتشجيع الودائع، ودعم الاستثمار وريادة الأعمال. وفي الوقت نفسه، يجب على البنك المركزي أن يضمن رقابة فعالة على احتياطات العملة الأجنبية والأنشطة المصرفية من خلال تنظيمات واضحة وشفافة.” ويكشف هذا التصريح أن الانفتاح المالي في الجزائر لا يتحرك خارج الرقابة، بل ضمن إطار يسعى إلى الجمع بين توسيع التمويل وحماية الاستقرار النقدي والمصرفي.
ويعطي هذا التوجه إشارة مباشرة للأسواق الخارجية، لأن الانفتاح المالي لا ينفصل عن الرقابة والامتثال. ولذلك يشير التقرير إلى أن تركيز الجزائر على الشفافية وأفضل الممارسات الدولية يساعد في تحسين ثقة المستثمرين، بينما يواصل القطاع المصرفي مواءمة نفسه مع المعايير العالمية، بما في ذلك تنظيمات بازل، ومتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ومن هذه الزاوية، تبدو الإصلاحات المصرفية جزءا من محاولة بناء قطاع مالي أكثر قابلية للتعامل مع المستثمرين الدوليين والمؤسسات المالية الخارجية.
نمو بـ4.1% وضمانات استثمارية
أما على مستوى المؤشرات الاقتصادية، فيقدم التقرير قراءة إيجابية للآفاق العامة. وينقل عن محافظ بنك الجزائر قوله إن “الآفاق الاقتصادية للجزائر إيجابية. فقد بلغ النمو 4.1 بالمائة في النصف الأول من سنة 2025، مقارنة بـ4.0 بالمائة في 2024، وهو ما يظهر تقدما مستقرا.” ويأتي ذلك مدعوما بنمو أقوى في الائتمان وارتفاع النشاط الاستثماري، خاصة عبر مشاريع كبرى في المناجم، الطاقة، الطاقات المتجددة والصناعة. وبذلك، لا تبدو الإصلاحات المالية منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي، بل مرتبطة بتمويل قطاعات إنتاجية يمكن أن تقود مرحلة جديدة من التنويع.
وفي ما يتعلق بضمانات الاستثمار الأجنبي، ينقل التقرير عن لبو قوله إن “الجزائر توفر بيئة مواتية للاستثمار الأجنبي. ويمكن للمستثمرين تحويل أرباح الأسهم والأرباح بحرية بعد الوفاء بالالتزامات الضريبية.” كما يوضح أن المشاريع الكبرى تستفيد، بموجب قانون الاستثمار الجديد، من حوافز مهمة تشمل الإعفاء من الرسم على القيمة المضافة، والرسوم الجمركية، والضرائب على الأرباح لمدة قد تصل إلى خمس سنوات. وتدعم هذه الحوافز منظومة مصرفية تضم 20 بنكا شاملا، إضافة إلى مؤسسات مالية متخصصة وآليات تمويل موجهة للمؤسسات الناشئة والابتكار.
ويذهب محافظ بنك الجزائر أبعد من ذلك حين يربط جاذبية الجزائر بالاستقرار، مؤكدا أن “الجزائر توفر استقرارا جيوسياسيا قويا وتنظيمات واضحة وقابلة للتوقع. والحكومة ملتزمة بالحفاظ على قواعد استثمار مستقرة على المدى الطويل، بما يمنح المستثمرين الثقة التي يحتاجون إليها للتخطيط للمستقبل.” وبحسب لبو، فإن هذا الاستقرار يمثل واحدة من أكبر مزايا الجزائر في بيئة عالمية غير مؤكدة، لأنه يساعد على بناء شراكات دائمة مع المستثمرين الدوليين.
110 شبابيك للمالية الإسلامية
ويمتد التحول المالي إلى البنوك العمومية، حيث يخصص التقرير مساحة لتجربة القرض الشعبي الجزائري CPA. فالبنك، الذي تأسس سنة 1966 بعد فترة قصيرة من استقلال الجزائر، يعد من أكثر المؤسسات المالية تأثيرا في البلاد وركيزة من ركائز القطاع المصرفي الجزائري. ومع اقترابه من الذكرى الستين لتأسيسه، يحتل المرتبة الثالثة في الجزائر ويصنف ضمن البنوك الرائدة في شمال إفريقيا. وكان الطرح العام الأولي للبنك محطة حاسمة، لأنه دشّن مرحلة جديدة في الحوكمة والاندماج في السوق.
كما ينقل التقرير عن المدير العام للقرض الشعبي الجزائري، علي قادري، قوله إن عملية الطرح العام “أدت إلى تعزيز الحوكمة، وزيادة الشفافية، والانسجام مع معايير السوق المالية، وفقا لتوقعات السلطات التنظيمية. وقد رافقت هذه التحولات نتائج مالية قوية، منسجمة مع توقعات المساهمين بعد الطرح العام.” ولا تكمن أهمية هذه العملية في البنك وحده، بل في كونها مؤشرا على تحول أوسع داخل المشهد المالي الجزائري، حيث بدأت أسواق رأس المال تؤدي دورا أكبر إلى جانب التمويل المصرفي التقليدي.
ويشرح قادري هذا التحول قائلا إن “مسألة التوازن بين التمويل المصرفي وتمويل السوق تندرج ضمن توجه حديث في الاقتصاد الجزائري. فلفترة طويلة، اعتمد الاقتصاد أساسا على القروض المصرفية. واليوم، ومع التطور التدريجي للسوق المالية، باتت أمام الشركات بدائل جديدة، ولا سيما البورصة. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح خاص خلال السنوات الأخيرة لدى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إذ أصبح عدد متزايد منها يفكر في الطرح العام الأولي.” وبذلك، تصبح البورصة وتمويل السوق جزءا من أدوات تمويل النمو، لا مجرد مسار ثانوي داخل النظام المالي.
وفي الوقت نفسه، يستجيب القرض الشعبي الجزائري لتطور توقعات الزبائن من خلال الابتكار والشمول المالي. وتعد المالية الإسلامية واحدة من أسرع أنشطة البنك نموا، في ظل طلب متزايد على هذا النوع من الخدمات. ويدير البنك حاليا أكثر من 110 شبابيك للمالية الإسلامية وأربع وكالات متخصصة مخصصة حصريا للصيرفة الإسلامية. ويرى قادري أن “المالية الإسلامية مرشحة للعب دور متزايد الأهمية، بما يساعد على توسيع قاعدة الزبائن البنكية وتعزيز الشمول المالي، مع تلبية متطلبات أخلاقية ورقابية محددة.”
CPA شريك للاستثمار العالمي
كما يضع البنك القرب من الزبون في صميم استراتيجيته. وينقل التقرير عن علي قادري قوله إن “وفاء لشعاره: بنك يصغي إليكم، يضع القرض الشعبي الجزائري القرب من الزبون في صميم استراتيجيته.” ويضيف أن الهدف هو الاقتراب أكثر من الزبائن، ليس فقط عبر توسيع الشبكة المادية، بل قبل كل شيء عبر الاستفادة من قنوات التوزيع الحديثة. وتكشف هذه المقاربة أن تحديث القطاع المصرفي لم يعد مرتبطا بالفروع التقليدية فقط، بل بالتحول نحو خدمات أكثر مرونة واعتمادا على القنوات الرقمية.
ولا يقتصر دور القرض الشعبي الجزائري على الخدمات المصرفية، بل يمتد إلى الترويج للجزائر كوجهة للاستثمار الأجنبي. ويبرز علي قادري البنية التحتية الحديثة للبلاد، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي الرابط بين إفريقيا وأوروبا، وتكاليف الطاقة التنافسية، باعتبارها مزايا كبرى للمستثمرين. كما يشير إلى أن “الجزائر توفر إمكانات معتبرة في الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية. وبفضل امتلاكها بعضا من أعلى معدلات ساعات السطوع الشمسي في العالم، تتموقع البلاد كوجهة جذابة بصورة خاصة للاستثمار في هذا المجال.”
وتتعزز هذه المزايا بقوة عمل شابة ومؤهلة، ومشاريع بنية تحتية كبرى تربط الجزائر بالأسواق الإقليمية. ومن خلال القروض المشتركة وخبرته في تمويل المشاريع الكبرى التي تربط الجزائر بأوروبا وغرب إفريقيا، يقدم التقرير القرض الشعبي الجزائري كشريك موثوق للاستثمار العالمي والنمو طويل الأمد في شمال إفريقيا.
10 آلاف مؤسسة ناشئة
وفي محور آخر، يبرز التقرير دور التنسيق بين الحكومة والباحثين والقطاع الخاص في استقطاب المستثمرين، من خلال وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة ومجلس التجديد الاقتصادي الجزائري. فحسب التقرير، يعمل الوزير نور الدين واضح، إلى جانب مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، على بناء بيئة موجهة نحو الابتكار والفرص الجديدة، في إطار خطاب اقتصادي واحد يسعى إلى إقناع المستثمرين بأن الجزائر تتحرك نحو نموذج أكثر ارتباطا بالمعرفة والصناعة والتكنولوجيا.
ومنذ إنشاء الوزارة سنة 2020، سعت إلى تحقيق هدف واضح: تحويل الجزائر من اقتصاد يعتمد على المحروقات إلى اقتصاد قائم على المعرفة، تقوده المواهب والابتكار. ويؤكد واضح أن أحد عوامل النجاح كان اعتماد مقاربة رقمية أولا، حيث تعمل الوزارة عبر منصات رقمية بالكامل، بما يجعل الخدمات متاحة في جميع أنحاء البلاد، ويتيح أيضا مشاركة الجالية الجزائرية في الخارج. وهذا البعد مهم، لأنه يربط التحول المعرفي بالانتشار الوطني وبالكفاءات الجزائرية خارج البلاد.
وتكشف الأرقام التي أوردها التقرير عن توسع سريع في النظام البيئي للمؤسسات الناشئة في الجزائر، إذ انتقل من حوالي 250 مؤسسة ناشئة عام 2020 إلى أكثر من 10 آلاف مؤسسة اليوم. وكان من بين العوامل المحفزة لهذا النمو إدخال إطار قانوني جديد ونموذج تمويل مصمم خصيصا للابتكار. ويوضح واضح أن “النموذج القديم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة كان قائما إلى حد كبير على الديون، وهو غير ملائم للابتكار، حيث تكون المخاطر أعلى ونماذج الأعمال أقل قابلية للتوقع.”
20 ألف مشروع صناعي
ويضيف واضح: “لمعالجة ذلك، أدخلنا في أكتوبر 2020 إطارا قانونيا جديدا يعرّف المؤسسات الناشئة والابتكار، وأنشأنا الصندوق الجزائري للمؤسسات الناشئة، وهو آلية تمويل قائمة على رأس المال. وقد ساعد هذا التحول على تحرير مشاريع مبتكرة لم تكن قادرة على النمو في ظل النظام السابق.” وبهذا، ينتقل تمويل الابتكار من منطق القرض التقليدي إلى منطق رأس المال، بما يسمح بتحمل مخاطر أعلى ومرافقة مشاريع ذات نماذج نمو غير تقليدية.
ويمتد هذا التحول إلى الجامعة، حيث أصبحت الحاضنات منتشرة عبر منظومة التعليم العالي، بما يشجع الطلبة على تحويل البحث الأكاديمي إلى مشاريع تجارية. وينقل التقرير عن واضح قوله: “عموما، نحن ننتقل من عقلية مهندسين يبحثون عن وظائف إلى مهندسين ينشئون شركات، ويبنون فرقا، ويولدون قيمة اقتصادية.” وهذه الجملة تلخص أحد أهم تحولات الاقتصاد الجديد: تحويل الجامعة من فضاء للتكوين فقط إلى مصدر للمؤسسات والابتكار والقيمة.
وبينما تركز الوزارة على ريادة الأعمال والابتكار، يقدم التقرير مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري كجسر حيوي بين القطاعين العام والخاص. وتحت قيادة كمال مولى، أدى المجلس دورا نشطا في تشكيل بيئة الاستثمار الجديدة في الجزائر وتعزيز الشراكات التجارية محليا ودوليا. ويستند مولى إلى حجم التوسع الصناعي في البلاد كدليل على الزخم الجديد، قائلا: “منذ إنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، يوجد أكثر من 20 ألف مشروع صناعي قيد الإنجاز. ومن بينها، دخل نحو 6 آلاف مشروع بالفعل مرحلة التشغيل.”
شراكة جزائرية أمريكية
وتظهر الصناعة الصيدلانية كإحدى أبرز نقاط القوة في التقرير. وينقل عن كمال مولى قوله: “توجد في إفريقيا حوالي 600 شركة صيدلانية. ومن بينها، يوجد قرابة 230 شركة في الجزائر. وتنتج البلاد الآن حوالي 80 بالمائة من احتياجاتها الخاصة، وهو مستوى مهم من الأمن الصحي. وهذا الإنجاز يضع الجزائر في مستوى لم تتمكن سوى دول قليلة، خاصة في المنطقة، من بلوغه.” ولا يقل التقدم وضوحا في الطاقة، إذ يضيف مولى: “قبل سنوات قليلة فقط، كانت منتجات مثل البنزين والديزل لا تزال تستورد. واليوم اختفت هذه الواردات تقريبا.”
ويرى كل منوزير المؤسسات الناشئة نور الدين واضح ومجلس التجديد الاقتصادي الجزائري كمال مولى فرصا كبيرة للشراكة مع الولايات المتحدة. فقد عمل الوزير على تشجيع التبادلات مع مراكز الابتكار الأمريكية، بينما سعى المجلس إلى تعزيز الروابط بين الشركات الجزائرية والأمريكية. وهنا يصبح الانفتاح على المستثمر الأمريكي جزءا من استراتيجية أوسع لا تقتصر على التمويل، بل تشمل الابتكار، المؤسسات الناشئة، الصناعة، الصيدلة، الطاقة والتكنولوجيا.
ويؤكد الوزير واضح أن “النظام البيئي الجزائري ينمو بسرعة، ليس من أجل الجزائر فقط، بل من أجل إفريقيا ككل.” أما كمال مولى، فيقدم الرسالة بصورة مباشرة حين يقول إن “عندما نتحدث عن جزائر جديدة، فإننا لا نشير فقط إلى شعارات، بل إلى واقع مستمر يتضح حتى من الخارج.” ويمنح هذا التصريح التقرير بعدا اقتصاديا واضحا، لأنه يربط الصورة الاستثمارية الجديدة للجزائر بمشاريع فعلية، أرقام صناعية، توسع في المؤسسات الناشئة، وتغير في موقع القطاع الخاص داخل الاقتصاد.
20 ألف مشروع و10 آلاف ناشئة
في المحصلة، ترسم Business Focus صورة لجزائر تتحرك على أكثر من محور في وقت واحد: إصلاح مالي يقوده قانون المالية 2026، بنك مركزي يركز على الاستقرار والشفافية، قطاع مصرفي يتجه نحو الحوكمة وأسواق رأس المال، بنوك عمومية تدخل مرحلة الطرح العام والمالية الإسلامية، وزارة اقتصاد معرفة تبني منظومة ناشئة رقمية، ومجلس اقتصادي يربط القطاع الخاص بالشراكات الدولية. وبين هذه المحاور، تظهر الجزائر كسوق كبيرة، مستقرة، قابلة للنمو، ومرتبطة بعمقها الإفريقي والمتوسطي.
كما تكمن أهمية هذه القراءة في أنها لا تقدم الجزائر كوجهة استثمارية بسبب الموارد الطبيعية وحدها، بل بسبب اجتماع عناصر متعددة: 47 مليون مستهلك، إنتاج محلي يقترب من 250 مليار دولار، إمكانات استثمارية غير مستغلة بنسبة 30 إلى 40 بالمائة خارج المحروقات، نمو اقتصادي بلغ 4.1 بالمائة في النصف الأول من 2025، منظومة مصرفية تضم 20 بنكا شاملا، حوافز استثمارية تصل إلى خمس سنوات، أكثر من 10 آلاف مؤسسة ناشئة، أكثر من 20 ألف مشروع صناعي قيد الإنجاز، وحوالي 230 شركة صيدلانية من أصل 600 في إفريقيا، مع إنتاج يغطي 80 بالمائة من الاحتياجات الوطنية.
وبذلك، تبدو الجزائر، وفق التقرير، في مرحلة إعادة تموقع مالي واستثماري أوسع من مجرد إصلاحات قطاعية. فالقطاع المالي ينفتح على المستثمرين العالميين، والقطاع المصرفي يتجه نحو الشفافية والحوكمة والتمويل البديل، والاقتصاد الرقمي يتوسع عبر المؤسسات الناشئة، والصناعة تستعيد موقعها عبر مشاريع قيد الإنجاز، بينما يمنح الاستقرار الجيوسياسي والربط الإفريقي والمتوسطي البلاد أفضلية إضافية في بيئة عالمية تبحث عن أسواق مستقرة وواعدة