بنوك عربية
سجل سوق العمل التونسي أفضل أداء له في الأعوام الأخيرة في العام المالي المنقضي2025، مع تسارع وتيرة خلق فرص العمل وانخفاض ملحوظ في معدل البطالة.
وتُظهر بيانات التقرير السنوي لعام 2025 الصادر عن مصرف تونس المركزي، والذي سلمه المحافظ فتحي زهير نوري إلى الرئيس قيس سعيد، صورةً لتقوية تدريجية للاقتصاد الوطني، مدعومةً باستئناف الإنتاج وسلسلة من السياسات العامة الرامية إلى تعزيز فرص العمل ودعم دور الدولة في الاقتصاد.
ويتمثل الجانب الأبرز في خلق 124 ألف وظيفة جديدة عام 2025، أي ما يقارب خمسة أضعاف عدد الوظائف المسجلة عام 2024 والبالغة 26.400 وظيفة. وفي الوقت نفسه، ارتفع معدل التوظيف من 38,7% إلى 39,1%، بينما انخفض معدل البطالة من 16,5% إلى 15,2%، مسجلاً بذلك أحد أسرع الانخفاضات في الأعوام الأخيرة.
ومن الأمور ذات الأهمية الخاصة التحسن المسجل بين النساء، حيث انخفض معدل البطالة لديهن من 23,1 %إلى 20,8 %، بينما ظل معدل البطالة بين الذكور مستقراً بشكل أساسي عند 12,6 %.
;يعكس هذا الاتجاه الإيجابي فترة من النشاط المتزايد في الاقتصاد التونسي، مدعومًا بانتعاش قطاعات استراتيجية كالسياحة والخدمات والصناعة والزراعة.
ومع ذلك، ووفقًا للبنك المركزي نفسه، فقد ترافق هذا التحسن مع سلسلة من الإجراءات الحكومية التي أثرت بشكل مباشر على الطلب على العمالة.
وتشمل هذه الإجراءات التعيينات الاستثنائية في الإدارة العامة، وتقديم حوافز للشركات الخاصة من خلال التمويل الجزئي لمساهمات أصحاب العمل في الضمان الاجتماعي، وتعزيز برامج التدريب المهني وتوفير فرص العمل، وإطلاق أدوات رقمية مخصصة لتشجيع ريادة الأعمال والعمل الحر. وتُعد هذه الإجراءات جزءًا من الاستراتيجية التي تنتهجها السلطات التونسية لتعزيز دور الدولة كمحفز للتنمية الاقتصادية، دون المساس بدعم المبادرات الخاصة.
وساهمت سياسة الأجور أيضًا في دعم الطلب المحلي. اعتبارًا من 01 يناير 2025، رُفع الحد الأدنى للأجور المضمونة في القطاع الخاص من 491,504 إلى 528,320 دينارًا لأسبوع عمل من 48 ساعة، ومن 417,558 إلى 448,238 دينارًا لأسبوع عمل من 40 ساعة.
في الوقت نفسه، رُفع الحد الأدنى للأجور الزراعية، وجرى تعديل البدلات الفنية للعمال الزراعيين المهرة، بهدف الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر في ظل استمرار الضغوط التضخمية. ولا يزال قطاع الخدمات المحرك الرئيسي للتوظيف في تونس، حيث يعمل في الخدمات السوقية أكثر من 1,05 مليون شخص، يليه قطاع الخدمات غير السوقية بحوالي 855,000 وظيفة.
ويعمل في الصناعات التحويلية أكثر من 700,000 عامل، بينما يعمل في الزراعة والبناء حوالي 505,000 و408,000 عامل على التوالي. يؤكد هذا وجود هيكل اقتصادي يتجه بشكل متزايد نحو قطاع الخدمات، ولكن مع مساهمة كبيرة من قطاعات الإنتاج التقليدية.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات هيكلية كبيرة. فما زالت نسبة بطالة الشباب مرتفعة، على الرغم من انخفاضها من 39,9% إلى 38,4% بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 عامًا. وتزداد صعوبة إيجاد فرص عمل بين الخريجين، حيث ارتفعت نسبة البطالة إلى 22,5%، مع وجود فجوة كبيرة بين الجنسين: إذ تتأثر 30,5% من الخريجات، مقارنةً بـنسبة 11,7% من الخريجين.
تُبرز هذه البيانات استمرار عدم التوافق بين التعليم الجامعي ومتطلبات سوق العمل، وهو أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي ستواجهها البلاد في الأعوام القادمة.
وفي عرضه للتقرير على رئيس الدولة، استعرض محافظ البنك المركزي فتحي زهير نوري المؤشرات الاقتصادية والمالية الرئيسية، بينما أكد الرئيس قيس سعيد على مساهمة البنك المركزي في دعم الاقتصاد الوطني. وأكد رئيس الدولة أن تونس تواصل مسيرتها بما يتماشى مع “خيارات الشعب”، مجددًا على ضرورة ترسيخ نموذج تنموي قائم على السيادة الاقتصادية، وتعزيز المؤسسات الوطنية، والحفاظ على التماسك الاجتماعي.