بنوك عربية
تواصل الديون الخارجية لتركيا مسارها التصاعدي، رغم أن أنقرة لم تلجأ إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي منذ أكثر من عقد. وكان حزب العدالة والتنمية قد أعلن، منذ توليه السلطة عام 2002، تبني نهج يقوم على إنهاء الارتباط ببرامج الصندوق، وهو ما تحقق فعلياً في مايو/أيار 2013 بعد سداد آخر قسط بقيمة 412 مليون دولار. بل إن تركيا تحولت في عام 2014 إلى دولة دائنة، عارضةً قرضاً بقيمة 5 مليارات دولار دعماً لموارد الصندوق.
غير أن التحولات الاقتصادية الأخيرة، خصوصاً بعد الزلزال المدمر الذي ضرب 11 ولاية جنوبية في فبراير/شباط 2023، دفعت أنقرة إلى العودة لأسواق الاقتراض الدولية، سواء عبر قروض من مجموعة البنك الدولي أو من خلال إصدار سندات دولية لتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار ودعم الاستقرار المالي.
عودة إلى السياسات التقليدية
رئيس مركز فكر للدراسات في إسطنبول، باكير أتاجان، أوضح أن تركيا لم تكن خالية تماماً من الديون في السابق، لكنها أغلقت تحديداً ملف ديون صندوق النقد بسبب شروطه التي تتجاوز البعد الاقتصادي. وأشار إلى أن السياسة الاقتصادية الحالية عادت إلى أدوات تقليدية تشمل رفع الضرائب، وزيادة أسعار الفائدة، وإدارة الديون وفق منطق الكلفة والعائد.
ويهدف هذا التوجه إلى تمويل عجز الحساب الجاري الذي تجاوز 25 مليار دولار العام الماضي، إضافة إلى فاتورة الطاقة التي تتخطى 50 مليار دولار سنوياً، سواء عبر الاقتراض المباشر أو طرح السندات الدولية.
500 مليار دولار ديون خارجية
يُقدّر إجمالي الدين الخارجي لتركيا بنحو 500 مليار دولار، يشكل القطاع الخاص أكثر من 65% منه، مقابل نحو 35% على الحكومة. ويؤكد أتاجان أن الدين الحكومي الخارجي يبقى منخفضاً مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، في حين تمثل ديون القطاع الخاص – خصوصاً قصيرة الأجل – التحدي الأكبر.
وبحسب تقديراته، يبلغ احتياطي المصرف المركزي قرابة 200 مليار دولار، ما يعزز قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها الخارجية. ويشكل الدين الحكومي نحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ 1.5 تريليون دولار العام الماضي، وهي نسبة أقل من العديد من الاقتصادات المتقدمة.
ديون القطاع الخاص في أعلى مستوى منذ سبع سنوات
أظهرت بيانات مصرف تركيا المركزي أن الدين الخارجي للقطاع الخاص بلغ أعلى مستوى له منذ سبع سنوات. وارتفعت ديون الائتمان طويلة الأجل بمقدار 13.1 مليار دولار لتصل إلى 210.9 مليارات دولار، فيما تراجعت الديون قصيرة الأجل إلى 8.8 مليارات دولار.
وخلال الربع الرابع من 2025، ارتفع إجمالي ديون المؤسسات المالية وغير المالية بنحو 12.2 مليار دولار مقارنة بالربع السابق. وتشكل القروض المقومة بالدولار 58.2% من إجمالي الديون طويلة الأجل، تليها القروض باليورو بنسبة 31%، ثم الليرة التركية بنسبة 2.7%.
كلفة الزلزال وضغوط التمويل
تسارعت وتيرة الاقتراض بعد زلزال 2023 الذي تجاوزت كلفته، وفق تصريحات سابقة لنائب الرئيس التركي جودت يلماظ، نحو 2.6 تريليون ليرة تركية، ما شكّل ضغطاً كبيراً على المالية العامة ومخصصات المشاريع الكبرى.
وفي هذا السياق، وقّع وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك خلال زيارة للولايات المتحدة عام 2024 اتفاقية قرض مع البنك الدولي لتمويل أربعة مشاريع استراتيجية، تشمل كفاءة الطاقة، وإدارة مخاطر الكوارث، والتحول الأخضر، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية المتضررة.
التحدي الأكبر
ورغم بقاء نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي ضمن مستويات مريحة مقارنة بالمعايير الدولية، يبقى التحدي الأساسي أمام الاقتصاد التركي في إدارة ديون القطاع الخاص قصيرة الأجل، وضمان استمرار تدفقات التمويل الخارجي، من دون الوقوع في ضغوط تمويلية حادة أو شروط سياسية تمسّ استقلال القرار الاقتصادي.
مواضيع ذات صلة;
