أخبار أخبار عالمية 🇩🇿

النقد الدولي يشيد بالاقتصاد الجزائري

بنوك عربية

أشاد صندوق النقد الدولي بالتقدم الذي أحرزته الجزائر في مجال تنويع الاقتصاد ومكافحة تبييض الأموال، مؤكدا على متانة الآفاق الاقتصادية للاقتصاد الوطني على المدى القصير. 

وتأتي هذه الديناميكية لتجسد مخرجات الإصلاحات الهيكلية العميقة التي تشهدها البلاد، الرامية إلى تهيئة بيئة أعمال جاذبة وترسيخ مكانة الاقتصاد الوطني كقوة تنافسية صاعدة في الساحتين الإقليمية والدولية.

وفي بيان نشره عقب المهمة التي أوفدها إلى الجزائر في الفترة الممتدة من 16 إلى 30 يوليو /جوان الماضي، في إطار مشاورات العام المالي الجاري 2026 بموجب المادة الرابعة، ثمّن صندوق النقد الدولي “الجهود التي تبذلها الجزائر في مجال تنويع الاقتصاد، لاسيما في القطاعين المنجمي والفلاحي، مشجعا إياها على مواصلة الإصلاحات الرامية إلى تعزيز القدرة التنافسية وتحفيز الاستثمار الخاص”.

ويكتسي هذا التوجه أهمية بالغة بالنظر إلى حجم التحديات الاقتصادية الراهنة، حيث تسعى الجزائر إلى استثمار مؤهلاتها الطبيعية، وبنيتها التحتية المتطورة، وموقعها الجغرافي الإستراتيجي الذي يجعل منها بوابة رئيسية نحو الأسواق الإفريقية والعالمية، لترسيخ مكانتها كشريك اقتصادي موثوق وقادر على استقطاب كبرى المؤسسات الإنتاجية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد الخبير في الاقتصاد، بوشيخي بوحوص، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن المؤشرات الإيجابية الواردة في بيان بعثة الصندوق تعكس نجاعة الحوكمة المالية الجديدة، مبرزاً أن التسهيلات الكبيرة المقدمة من الحكومة الجزائرية والتعاون التام مع البعثة، عبر توفير كافة المعطيات والبيانات المتعلقة بالاقتصاد الوطني، لسنتي 2023 و2024 والسداسي الأول من العام المالي المنقضي 2025، ساهم في تقديم صورة دقيقة وموضوعية لبرنامج عمل الصندوق الذي يدرس سنتين متتاليتين للمقارنة بينهما.

نمو مرن واستقرار المؤشرات.. كبح التضخم بفضل الطفرة الفلاحية

وأوضح بوحوص في قراءته للمسار التنموي أن الإحصائيات أظهرت تراجعا طفيفا بين عامي 2023 و2024 بفعل انخفاض أسعار البترول والغاز الطبيعي والمشتقات في الأسواق العالمية، حيث سجل معدل النمو 4,1% في العام المالي 2023، بينما سجل 3,6% في عام 2024، ليعاود الارتفاع من جديد وبقوة في حدود 4,3% بالنسبة للسداسي الأول من العام المالي المنقضي 2025.

وأشار إلى أن هذه الحركية تؤكد قدرة النسيج الإنتاجي الوطني على استيعاب الصدمات الخارجية، وتتوافق مع توقعات الصندوق الإيجابية في مجملها بالنظر إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات من شأنه أن يساهم في رفع الصادرات وإيرادات الميزانية، متوقعاً أن يبقى نمو الناتج الداخلي الخام قويا عند مستوى 3,8% خلال سنة 2026، مع تراجع العجز الخارجي بفعل انخفاض الواردات.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن السلطات العمومية نجحت بامتياز في التحكم في معدلات التضخم والمحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين، ويرجع ذلك إلى ازدهار القطاع الفلاحي وتحقيق نتائج باهرة في الميدان؛ حيث كان معدل التضخم في حدود 9% خلال عام 2023، ثم انخفض عام 2024 إلى أقل من 4%، وهو مستمر في الانخفاض إلى مستوى 2,5% في السداسي الأول من عام 2025.

كما أكد أن هذه المؤشرات تبرهن على نجاعة المقاربة المعتمدة لتطوير الشعب الفلاحية الإستراتيجية وتأمين الغذاء، ما انعكس إيجابا على الاستقرار العام للأسعار وحصّن الاقتصاد ضد موجات التضخم المستوردة.

زخم استثماري في البنى التحتية.. مشاريع مهيكلة تؤسس لنهضة شاملة

وفيما يتعلق بالحالة العامة لزخم الاستثمار والمشاريع الاقتصادية، أفاد بوحوص بأن سنة 2024 تميزت بانطلاق العديد من المشاريع الكبرى في البنى التحتية على غرار مشروع غار جبيلات المنجمي الإستراتيجي، والمشروع العظيم في مجال السكك الحديدية والمتمثل في الخط الرابط بين ولاية بشار وولاية تندوف على مسافة 950 كيلومترا.

وأشار إلى أن هذه الورشات التنموية تزامنت مع مد مشاريع الألياف البصرية عبر كامل التراب الوطني لتحديث قطاع الاتصالات، ورفع جودة الخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى توفير الوحدات السكنية لضمان العيش الكريم للمواطن الجزائري عبر إنجاز حوالي مليوني سكن بمختلف الصيغ.

وذكر في هذا الصدد أن الإطار القانوني والتشريعي الجديد للاستثمار يوفر حماية كاملة ومزايا تحفيزية معتبرة للمشاريع المشتركة، مما يمنح هذه التوجهات القطاعية دفعة قوية للتحول سريعا إلى استثمارات حقيقية ذات جدوى اقتصادية عالية للمستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء، لاسيما وأن الصندوق أشاد بشطب الجزائر من القائمة الرمادية المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، معتبرا ذلك إنجازا مهما يعكس إرادة قوية ومواصلة جهود الإصلاح لتطهير مناخ الأعمال وتسهيل تدفق الرساميل.

هندسة العجز الموازنتي.. سياسات مالية تحفيزية وإصلاحات جبائية عميقة

وعن ملف العجز الموازنتي الذي يبلغ حوالي 13% من الإنتاج المحلي الإجمالي، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذا الرقم يعد عاديا بالمقرنة مع ما تشهده اقتصادات البلدان النامية والدول التي تستعمل السياسات المالية من أجل تحفيز الطلب الفعال وفق نظرية المفكر الاقتصادي “جان ماينارد كينز”، إذ المتعارف عليه ألا يتعدى 10%، والعمل فيما بعد على تخفيضه في حدود 5%، بحيث لا تتعدى النفقات الإيرادات فوق هذه النسبة، وهو النظام المعمول به في فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية التي بلغ العجز عندها عام 2024 حوالي 6%، مما يوضح أن العجز الموجه للاستثمار والبناء يمثل أداة تحفيزية معتمدة عالميا.

ولفت إلى أن السلطات الجزائرية وضعت خططا دقيقة من أجل تصحيح الوضعية وإصلاح جانب الإيرادات لكي تغطي مجمل النفقات، حيث شرعت الحكومة في تصفية الديون الجبائية من أجل جذب المتعاملين للقيام بعمليات التسوية المالية، وضمان تحصيل إيرادات كبيرة لحوالي 1,7 مليون متعامل اقتصادي متخلف عن دفع الديون الجبائية. وأكد أن هذه التدابير تتكامل مع تسريع الرقمنة الشاملة وانتقال الجميع إلى اقتصاد رسمي فعال وشفاف يعتمد الفوترة وتأهيل القطاع التجاري بصفة عامة، تماشيا مع إشادة الصندوق بالإجراءات الأولى الرامية إلى تنويع مصادر التمويل، لاسيما الإصدار السيادي الأول للصكوك الإسلامية والتمويل المرتقب من بنك تنمية إقليمي.

امتلاء الملاءة المصرفية.. مديونية داخلية تدار بسيادة تامة وحيطة حذرة

وفي حديثه عن طبيعة المديونية المالية، أوضح أن ما يُعرف بـ’الدين الداخلي” يعكس في جوهره التزامات مالية متبادلة بين الحكومة والبنوك العمومية، بما يجعل الأمر مرتبطاً بعجز موازني ذي طابع محاسبي داخلي، بعيداً عن أي مديونية خارجية أو التزامات تجاه متعاملين خواص داخل البلاد.

وأبرز أن هذا الوضع يمنح الدولة هامشا واسعا لإدارة هذه الالتزامات، بالنظر إلى امتلاكها سبعة بنوك عمومية تتجاوز أصولها المجمعة 25 ألف مليار دينار، وهو ما يعادل نحو خمسة أضعاف العجزالموازني المسجل سنة 2024 والمقدر بحوالي 5000 مليار دينار، في وقت بلغت فيه الإيرادات قرابة 8000 مليار دينار، مقابل نفقات تناهز 13 ألف مليار دينار.

واعتبر الخبير أن الحكومة تستعمل هذه الطريقة في التسيير بالعجز المحاسبي كسياسة إستراتيجية في إطار الحيطة والحذر ومن أجل ضبط النفقات وترشيدها، ولقد رأى الكل قدرة الدولة الجزائرية إبان أزمة كوفيد العالمية كيف استطاعت جلب الأدوية والأمصال وتأمين الاحتياجات رغم توقف كل النشاطات، حيث كانت الخزينة تدفع المرتبات لكافة الموظفين بمن في ذلك العاملون في القطاع الخاص.

وأشار إلى أن لجنة خبراء صندوق النقد الدولي لم تتحدث تماماً عن طبع النقود، كون الدولة لم تلجأ إلى التمويل غير التقليدي بل تقوم بتمويل العجز عبر اللجوء إلى البنوك التجارية العمومية المملوكة للدولة وتقديم فوائد نظير هذه الخدمة في حدود 2%، حيث تملك الخزينة لحد الآن حسابا خاصا منتظما تدفع عبره ما عليها لتسديد الدين والفائدة بانتظام تام.

الاندماج الإقليمي والدولي.. البوابة اللوجستية لقيادة النهضة الإفريقية

وفي سياق متصل، شدد بوحوص على الأهمية البالغة للبعد الجيواستراتيجي للموقع الجغرافي المتميز للجزائر، واحتياطياتها الضخمة من موارد الطاقة، ما يؤهلها للعب دور قيادي ومحوري في سوق الطاقة، سواء على المستوى الأوروبي أو الإفريقي، لتكون قاطرة حقيقية لدعم التنمية والاندماج في سلاسل القيمة العالمية وبناء تحالفات تجارية متينة عبر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية “زليكاف”.

ولقد تجلت هذه الرؤية بوضوح خلال الزيارة الرسمية التي قامت بها مديرة صندوق النقد الدولي إلى الجزائر في شهر مارس، حيث شجعت الجزائر على ربط اقتصادات دول إفريقيا عبر منشآتها وموانئها الأربعة الإستراتيجية والمتمثلة في ميناء عنابة، وميناء جيجل، وميناء العاصمة، وميناء وهران، وتكاملها مع شبكات السكك الحديدية والطرق البرية الممتدة نحو العمق الإفريقي عبر الطريق العابر للصحراء.

وفي الختام أكد بوحوص بوشيخي أن الجزائر دولة غنية وذات موارد اقتصادية ضخمة ومساحات واسعة، والكل ينتظر نهضة كبيرة ودولة صاعدة ورائدة تؤدي دورا كبيرا في تنمية القارة السمراء، مستندة في ذلك إلى إرادة سياسية صارمة وإصلاحات تشريعية متطورة تجسدت في القانون العضوي رقم 18-15 المتعلق بقوانين المالية الذي اعتمد في إعداد الميزانيات واستعمال مفهوم البرامج والشفافية المعمول به في كل دول العالم.

كما أشار إلى أن التكامل بين الرؤية السياسية الطموحة والجهود الميدانية للمتعاملين الاقتصاديين يشكل الضمانة الأساسية لتحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي، يضمن استدامة النمو ويحصّن الاقتصاد الوطني أمام مختلف التقلبات العالمية ويفتح أمامه أبواب الريادة والازدهار.

مواضيع ذات صلة

ليبيا المركزي يعزز المدفوعات ويطلق بطاقات فيزا

Nesrine Bouhlel

الجزائر المركزي ينظم صرف منحة السفر إلكترونيا

Nesrine Bouhlel

المغرب المركزي والفلاحة يوقعان اتفاقية شراكة استراتيجية

Nesrine Bouhlel