بنوك عربية
يسعى مصرف ليبيا المركزي إلى ضخ ما يصل إلى مليار من العملة الخضراء(الدولار) عبر المصارف التجارية، في محاولة لاحتواء أزمة شح الدولار وتهدئة سوق الصرف، وسط اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي وتزايد الضغوط على القوة الشرائية للمواطنين.
وجاءت هذه الخطوة بعد أكثر من عقد من القيود على تداول النقد الأجنبي، حيث بدأ المصرف إدخال شحنات نقدية من الدولار واليورو إلى السوق المحلية، في تحرك يُنظر إليه أداةً سريعةً لإعادة التوازن عبر تعزيز المعروض داخل القنوات الرسمية وتقليص الاعتماد على السوق الموازية.
ووفق معطيات مصرفية، تم استلام دفعة أولى تُقدّر بنحو 250 مليون دولار، على أن يتبعها ضخ تدريجي يصل إلى مليار دولار، موزعاً بين 600 مليون دولار في مرحلة أولى، و400 مليون لاحقاً، عبر المصارف التجارية وشركات الصرافة المعتمدة، لتلبية الطلب المتزايد على النقد الأجنبي. وتسمح الآلية الجديدة للمواطنين بالحصول على ما يصل إلى 10 آلاف دولار نقداً، بما يشمل الطلبات الشخصية المحجوزة مسبقاً، في خطوة تستهدف أيضاً تقليص الاعتماد على البطاقات المصرفية التي فرضت خلال السنوات الماضية عمولات مرتفعة وأعباء إضافية على المستهلكين.
وفي السياق، يحذر الخبير الاقتصادي أحمد أبولسين من مخاطر أعمق قد ترافق هذه السياسة، تتجاوز تأثيراتها المباشرة على سوق الصرف في ليبيا لتطاول بنية النظام النقدي نفسه. ويشير إلى أن الأخطر يتمثل في احتمال الوقوع في فخ “الدولرة”، مع تزايد توفر الدولار النقدي في السوق، بالتزامن مع ضغوط تضخمية مستوردة مرتبطة بتداعيات التوترات في الشرق الأوسط وأزمة الطاقة.
ويؤكد أبولسين أن البيئة الاقتصادية المحلية تبدو مهيأة نسبياً لتسارع هذا المسار، في ظل هشاشة أدوات السياسة النقدية وضعف قدرتها على امتصاص الصدمات، ما قد يدفع الأفراد تدريجياً إلى تفضيل الاحتفاظ بالدولار واستخدامه وسيلةَ ادخار وربما تداول، وهو ما يمثل تحدياً طويل الأمد أمام استقرار العملة المحلية.
وفي هذا الصدد، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي علي الشريف لـ”العربي الجديد” إن توريد الدولار واليورو نقداً بعد توقف دام أكثر من 10 أعوام يمثل مرحلة مهمة لتعزيز السيولة في السوق الليبية، ويحد من الهدر الناتج عن استخدام البطاقات المصرفية التي وصلت عمولاتها إلى نحو 6%، وهو ما كان يثقل كاهل المواطن. ويرى أن هذه الخطوة قد تسهم في إعادة جزء من النشاط المالي إلى القنوات الرسمية، وتقلّص الاعتماد على الوسطاء والسوق غير المنظمة.
في المقابل، يحذر المحلل الاقتصادي محمد الشيباني من أن خطوة ليبيا هذه تبقى مؤقتة ولا تعالج الأسباب الجذرية لنقص العملة الصعبة. ويشير إلى أن جزءاً من هذه السيولة قد يتسرب إلى السوق الموازية في حال غياب ضوابط صارمة، ما قد يفرغها من مضمونها. كما ينبه إلى أن ضخ مبالغ كبيرة خلال فترة قصيرة قد يخلق ضغوطاً تضخمية على أسعار السلع المستوردة، الأمر الذي يستدعي مراقبة دقيقة لتداعياته على الاقتصاد المحلي.
ويشرح الشيباني أن ضخ هذه الدفعات عبر القنوات الرسمية قد يسهم في خفض أسعار الصرف تدريجياً والحد من المضاربات، فضلاً عن تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي ودعم النشاط الاقتصادي، من خلال تسهيل حصول المواطنين على العملة الصعبة لتغطية احتياجاتهم اليومية، لكنه يشدد على أن استدامة هذا الأثر تظل مرهونة بإجراءات موازية أكثر عمقاً.
وتعكس البيانات النقدية حجم الاختلال القائم. إذ بلغت استخدامات النقد الأجنبي خلال أول شهرين من عام 2026 نحو 4.2 مليارات دولار، مقابل إيرادات لم تتجاوز 2.2 مليار دولار، ما يشير إلى عجز جرى تمويله من الاحتياطيات وعوائد الاستثمارات، وهو مسار تصعب استدامته على المدى الطويل دون إصلاحات هيكلية.
وفي ظل استمرار الفجوة بين السعر الرسمي للدولار عند 6.4 دنانير، وسعره في السوق الموازية الذي يتجاوز 9.3 دنانير، يبقى تأثير ضخ الدولار كاش مرهوناً بقدرة السلطات على ضبط الطلب ومنع المضاربات وفرض رقابة فعالة على قنوات التوزيع.
ويقول المصرفي معتز هويدي إن المصرف المركزي قد ينجح في “شراء الوقت” وتهدئة السوق مؤقتاً، إلا أن استدامة الاستقرار النقدي تظل رهينة بإصلاحات أعمق تشمل ضبط الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية في إدارة الإيرادات النفطية، وتوحيد السياسة النقدية، بما يعيد التوازن الحقيقي بين العرض والطلب على العملة الأجنبية.
