بنوك عربية
حذر صندوق النقد الدولي من الضغوط المتزايدة التي تواجهها الحكومات نتيجة ارتفاع مستويات الدين العام وتكاليف الاقتراض.
جاء ذلك ضمن تقرير كل من رودريغو فالديز ، مدير إدارة شؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي، وإيرا دابلا نوريس، والمديرة المساعدة لإدارة آسيا والمحيط الهادئ بالصندوق، في مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن الصندوق، إذ حذرا من أن الحكومات حول العالم أصبحت تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الارتفاع غير المسبوق في مستويات الدين العام وتكاليف الاقتراض، في وقت تزداد فيه المطالب الاجتماعية والاقتصادية على الإنفاق العام، ما يضع صُناع السياسات أمام مفاضلات مالية معقدة تتطلب استعادة ثقة المواطنين.
وأوضح التقرير أن الحكومات كانت قادرة على تأجيل القرارات الصعبة عبر الاقتراض منخفض التكلفة لمدة سنوات مضت، إلا أن هذه المرحلة انتهت مع ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، ما جعل خدمة الدين تستحوذ على حصة متزايدة من الموازنات العامة، على حساب الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار والبنية التحتية.
وأشار إلى أن الدين العام العالمي بلغ نحو 93.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، مع توقعات بتجاوزه 100% بحلول عام 2028، وهي مستويات وصفها بأنها غير مسبوقة في أوقات السلم.
كما لفت إلى أن الاقتصادات المتقدمة والأسواق الصاعدة على حد سواء، اضطرت إلى التوسع في الاقتراض خلال جائحة كوفيد-19 لتجنب انهيار اقتصادي أعمق.
وأكد التقرير أن ارتفاع تكاليف الاقتراض ضاعف أعباء الفائدة على الحكومات، موضحًا أن مدفوعات الفائدة في الولايات المتحدة ارتفعت من نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الجائحة إلى 4.2% في 2025، متجاوزة الإنفاق الدفاعي، في حين تستهلك مدفوعات الفائدة نحو 21% من الإيرادات الضريبية في البلدان منخفضة الدخل.
وأوضح التقرير أن الحكومات أصبحت مضطرة لاتخاذ قرارات أكثر صعوبة بشأن أولويات الإنفاق، في ظل تزايد الضغوط الناتجة عن شيخوخة السكان، وتغير المناخ، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع الإنفاق على الحماية الاجتماعية والدفاع.
وأشار إلى أن إحدى أبرز المعضلات تتمثل في التوازن بين الحفاظ على الاستدامة المالية والاستجابة للصدمات الاقتصادية، محذرًا من أن التشدد المالي المفرط قد يفاقم الركود، في حين أن تجاهل العجوزات قد يؤدي إلى فقدان ثقة الأسواق وارتفاع علاوات المخاطر.
وفيما يتعلق بالعدالة بين الأجيال، أكد التقرير أن تراكم الديون لا يمثل مجرد قضية اقتصادية، بل يهدد العقد الاجتماعي، إذ تتحمل الأجيال المقبلة أعباء خدمة الديون الحالية عبر ضرائب أعلى وخدمات عامة أضعف، خاصة مع تزايد تكاليف المعاشات والرعاية الصحية في المجتمعات المتقدمة في العمر.
وأضاف أن استمرار تأجيل الإصلاحات المالية يجعل التصحيحات المستقبلية أكثر حدة وكلفة، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الديون الحديثة استُخدم لتمويل الإنفاق الجاري وليس للاستثمار المنتج، ما يزيد المخاوف من تحميل الأجيال المقبلة “الفاتورة فقط” دون تحقيق نمو مستدام.
وكشف التقرير عن وجود أزمة ثقة متنامية بين المواطنين والحكومات، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المواطنين لا يدركون الحجم الحقيقي لمشكلات الدين والعجز المالي، كما يشككون في عدالة توزيع أعباء الإصلاحات المالية وفاعلية الحكومات في إدارة الموارد العامة.
وأوضح أن ضعف الثقة يدفع الحكومات إلى تأجيل القرارات غير الشعبية، مثل إصلاح أنظمة التقاعد أو توسيع القاعدة الضريبية، ما يؤدي إلى تفاقم الديون وتآكل الثقة بصورة أكبر، في حلقة مفرغة.
وشدد التقرير على أن إصلاح المالية العامة لا يعني “التقشف العشوائي”، بل يتطلب خططًا تدريجية وشفافة توازن بين خفض الدين والاستثمار في المستقبل، مؤكدًا أن نجاح أي إصلاح يعتمد بالأساس على إقناع المواطنين بأن التضحيات موزعة بعدالة وأن الإصلاحات ستقود إلى فوائد ملموسة.
ودعا إلى تعزيز الشفافية المالية، وتقوية مؤسسات الرقابة المستقلة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، باعتبارها أدوات أساسية لإعادة بناء الثقة بين الحكومات والمجتمعات وضمان استدامة المالية العامة على المدى الطويل.