القطاع البنكي التونسي: نشأته بالقرن الـ 19 وتحولاته اللاحقة

بنوك عربية

نَفّذَ موظّفو قطاع البنوك في تونس إضرابا بيومَين في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 للمطالبة بالترفيع في أجورهم وتحسين أوضاعهم عمومًا.

وكان من اللافت أن هذا التحرّك لم يحظَ بتعاطف كبير من عموم التونسيين، بل أن كثيرًا منهم أبدى عدم فهمه وحتى سخريّته من مطالب هذه الفئة ذات الأجور العاليّة والامتيازات الكثيرة -على الأقلّ مقارنةً بقطاعاتٍ أخرى حسب الصورة الشّائعة- حتى أن البعض رأى في هذه التحرّكات “جشعًا” وعدم مراعاة لتدهور أحوال أغلبية التونسيين.

كما لم يلتفت كثيرون إلى تصريحات كاتب عام “الجامعة العامّة للبنوك والمؤسّسات الماليّة” التي جاء فيها “أنّ القطاع يخوض معركة اجتماعية كبرى. معركة فرض الحقّ النقابيّ من أجل مواجهة مساعي تغوّل رأس المال المالي المحلي والأجنبي”. وأكّد من خلالها أن “شيطنة القطاع المالي والبنكي أثّرت كثيرا في كرامة العاملين في القطاع”. 

عدم التعاطف وضعف الاهتمام ينبعان أساسًا من تمثّل جزء مهمّ من التونسيين للبنوك: مؤسسات يمتلكها أثرياء يعمل تحت إمرتهم كوادر ميسورون، تُغلق أبوابها أمام الفقراء وتثقل كاهل أبناء الطبقات الوسطى بالاستقطاعات والمعاليم المجحفة في حين تذلّل الصعاب أمام الطبقات الأكثر حظًّا، وتزدهر أعمالها في كلّ الظروف حتّى في أصعب الأزمات.

وربّما ترجع هذه “العلاقة المعقّدة” بين التونسيين والبنوك إلى الأدوار التي لعبها القطاع البنكي في مراحل مختلفة من تاريخ تونس الحديث والمعاصر.

سنحاول  عبر سلسلةٍ من المقالات إعادة تتبّع مسار البنوك في تونس الممتدّ على قرابة أكثر من 150 عامًّا، وتفكيك علاقة هذه المؤسسات بالمجتمع والدولة والاقتصاد.

البنوك في خدمة مصيدة الاستعمار

من المفارقات أنّ نشأة القطاع المصرِفِيّ في تونس نَبعَتْ في البداية من إرادة لتطوير اقتصاد البلاد وتحديث مؤسساتها وتأكيد استقلاليتها، لكنّ عوامل محليّة وأجنبيّة حوّلت البنوك إلى أدواتٍ لتعميق التخلّف الاقتصاديّ لتونس وتسهيل خضوعها للهيمنة الأجنبية وافقادها سيادتها. 

تبدأ الحكاية في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر، عندمَا قرّرَ حاكم تونس -آنذاك- المُشير أحمد باي (1837- 1855) إحداث أوّل دار عصرية لسكّ العملات المعدنية في عام 1837 كخطوة أولى نحو إصلاحات مالية طَمُوحَة، وقام باستقدام آلات وتقنيات وخبراء من أوروبا. في سنة 1847 أَمرَ أحمد باي بإنشاء “دار المال” التي يمكن اعتبارها أوّل “بنك مركزي” في المنطقة العربية والقارة الإفريقية، وكانت أولى إصداراته وَرقَة مالية من فئة 50 ريال تونسي بسِيطة التّصميم ولا تُشبِه كثيرًا العملات الورقيّة كما نعرفها حاليًا، إذ لا يَظهَر فوق سطحها إلّا القيمة المالية و”الأمر العليّ” والتاريخ وخَتم الباي واسمه.

لكن الإصلاحات والمشاريع الكبرى التي أطلقَهَا أحمد باي، وأكثرها نابعٌ من افتتانه بمظاهر التقدّم التقنيّ والاقتصاديّ في الدّوَل الأوروبيّة، كانت مُكلِفة جدًّا للخزينة العمومية ولم تُرَاعِ الوضع الاقتصادي لتونس. فلقد تزامنت هذه النفقات الكبيرة مع تراجع موارد الدولة التونسية بعد قضاء القوى الأوروبية على حركة القرصنة البحرية في سواحل شمال أفريقيا، وكذلك الأفول التّدريجي لتجارة القوافل الصحراويّة. كما أنّ الاقتصاد المحلّي القائم على النشاط الفلاحي شبه الإقطاعيّ -والحرفيّ بدرجة أقلّ- لم يكن قادرًا على منافسة اقتصاديّات أوروبيّة أنجزت ثورات صناعية واجتماعية وسياسية، ورَاكمَت فوائض وتفتَّحَت شهيتها لغزو العالم.

ولم تقتصرْ نفقات أحمد باي والبايَات الذين خَلفِوه خلال النصف الثّاني من القرن 19 على تمويل الإصلاحات وحركة التعصير، بل إن أغلبها بُدِّدَ في بناء القصور والاستراحات الملكيّة، والإنفاق على مظاهر الجاه والبذخ في البلاط الملكي، بالإضافة إلى الأموال التي اختَلسَها كبار المسؤولين. ولمجابهة هذه النفقات المتزايدة، تمّ في عهد أحمد باي التعويل على الاقتراض الداخليّ عبر إصدار قروضٍ رقاعية تحت مسمى “التْسَاكِر” حتى بلغ مقدار الدين الداخليّ حوالي 12 مليون فرنك فرنسي في سنة 1859. لكن حتى هذا الحلّ لم يكن كافيًا لسدّ نزيف المالية العمومية، خاصة مع توالي مواسم الجفاف وتواتر الانتفاضات الشعبية احتجاجا على التعسف الجبائي. 

في سنة 1863، قَرَّرَ الصادق الباي اللّجوء إلى التداين الخارجي للمرة الأولى في تاريخ تونس، وهي مَصيَدَة لم تتحرّر منها البلاد إلى اليوم. وكان المصرفيون الأوروبيون الوجهة “المنطقية” للاقتراض. فقد اتّسَم الثلث الثاني من القرن 19 بتزايد نفوذ التّجار والقَناصل الأوروبييّن في تونس واشتداد ضغوطهم على البايات بهدف الحصول على امتيازات واقتحام المجالات الاقتصادية التي كانت مغلقةً أمامهم.

وقد أثمرَت هذه الضغوط نصوصًا تأسيسيّة مثل “عهد الأمان” في 1857 و”دستور 1861“، التي وإن اعتبرها بعض المؤرّخين والسياسيّين إصلاحات رائدة دستَرَت الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، فإنها عمليّا خدمَت مصالح الأوروبيين الذين سيطرُوا على أهمّ المحاصيل الفلاحيّة وحركة التّصدير وتحصّلُوا على امتيازات جبائيّة سَهَّلَت إغراق سلعهم للسّوق التونسيّة وضرب الصناعة والحرف المحليّة.

وكان الصيارفة الأوروبيّون في القلب من مشاريع الهيمنة والإخضاع هذه؛ أوّلاً عبر تمويل التجار والصناعيين الأوروبّيين الذين سيطَرُوا تدريجيّا على مفاصل الاقتصاد التونسي، وثانيا عبر تسهيل حصول البايات على القروض الضخمة.

في مطلع ستينيات القرن 19 كان هناك تنافسٌ شديد بين البنوك الإيطالية والانجليزية والفرنسية لتلبية رغبة بايات تونس في الاقتراض الخارجي، واستطاع الفرنسيون حَسم هذا التنافس ممّا شَكَّلَ خطوة مهمة في مسار تمهيد الطريق أمام الاحتلال الفعلي لتونس. ما بين سنتي 1863 و1867، وَقّعَت الدولة التونسية اتفاقيات للحصول على خمسة قروض خارجيّة بلغت قيمتُها التراكميّة الجمليّة 80804310 فرنكا فرنسيًّا، تقاسمتها أربعة بنوك فرنسية: Morpurgo ،Oppenheim ،Eralnger، وComptoir d’Escompte de Paris.

ولعِبَت الدولة الفرنسية دور الضامن خلال عملية التفاوض حول هذه القروض وفوائدها وشروط سدادها. تحصّلَت تونس على هذه القروض بفوائد مشطّة، وقدَّمَت ضمانات كثيرة أهمّها محاصيل البلاد من الحبوب وزيت الزيتون، وكذلك عائداتها الجمركية والجبائية. 

تراكمَت “الديون الكريهة” وفوائدها بالتوازي مع تراجع إيرادات الدولة واستشراء الفساد وعمليّات الاختلاس الضخمة، فتعَذّرَ السّداد وتزايدتْ ضغوط الدائنين وحكومات بلدانهم الأوروبية لينتهي الأمر بإفلاس تونس وقبولها في سنة 1869 بالخضوع لقرارات “كوميسيون مالي دولي” (لجنة فرنسية -إيطالية- بريطانية) التي سلبَت البلاد سيادتها بدعوى إصلاح سيّاساتها الماليّة وتسديد ديونها، ممّا شَكّلَ الخطوة قبل الأخيرة قبل الوصول إلى الاستعمار الصريح في ماي 1881. 

كما لعبت البنوك والدوائر الرأسمالية الحاضنة لها دورًا مهمًّا في مجال الاستحواذ العقاريّ قبيل الاستعمار وخلال الأعوام الأولى منه. ولعلّ قضية “هنشير النفيضة” (ضيعة شاسعة تقع في ولاية سوسة حاليا) هي المثال الأبرز، إذ قرّر الوزير و”المصلح الاجتماعي” خير الدين باشا في العام 1880 بيع ما يقارب 100 ألف هكتار أقطعه إياها الملك محمد الصادق باي إلى البنك فرنسيّ: “الشركة المرسيلية للقرض”، ممَّا خَلقَ أزمة سياسيّة ودبلوماسيّة، إذ سعى باي تونس وقناصل إيطاليا وانجلترا إلى تعطيل هذه العمليّة، في حين رَمَت الدولة الفرنسية بثقلها لإتمام عملية البيع، واعتبر مؤرخون عدّة أن هذه الأزمة ساهمت في تسريع تحويل المطامع الاستعماريّة الفرنسيّة في تونس إلى أمر واقع.

وكانت “الشركة المرسيلية للقرض” من أولى البنوك الأوروبيّة التي افتتحت فرعًا لها في تونس (الفرنسية التونسية للقرض الصناعي والتجاري في 1879). وقد انصهر فيما بعد مع فرع مصرف فرنسي آخر “البنك العبر أطلسي” ليُشكّلَا واحدا من أقدم البنوك الاستعمارية في القارة الافريقية “بنك تونس Banque de Tunisie”، وهو ما يزال ناشطًا إلى اليوم. ولعبَ هذا البنك رفقة بنوك فرنسيّة وأوروبيّة أخرى دورًا مهمّا في تمويل البُنَى التحتيّة التي استُحدِثَت لخدمة الاقتصاد الاستعماريّ والمستوطنين مثل خطوط السكك الحديديّة والتلغراف والمناجم والقروض العقاريّة لاشتراء مقاسم فلاحية استعمارية. 

وسعيًا منها لتركيز سلطتِها الاستعماريّة والانفراد بالقرار في تونس، قامت فرنسا بالتخلص من شركائها في “الكوميسيون المالي” في سنة 1884، أي بعد أشهر من توقيع “اتفاقية المرسى” في 8 جوان 1883، والتي صادق بموجبها الباي على جملة من الشروط المُذلة الواردة في عدة فصول

استنادًا إلى أحكام الفصل الثاني من هذه الاتّفاقية، سَهّلَت الدّولة الفرنسيّة تحت مُسمّى تطهير المالية التونسية وإجراء إصلاحات مالية حصول تونس في ماي 1884 على قرض ضخم بقيمة 142،5 مليون فرنك فرنسي لسداد ديونها القديمة. وفي سنة 1891 ألغيت عملة البلاد (الريال) وتمّ استبدالُها بالفرنك الفرنسي.

ولم تكتفِ السلطات الاستعماريّة بهذه الهيمنة الكاملة، إذ أجبرتْ الباي على طلب أربعة قروض أخرى ضخمة من بنوك فرنسية ما بين 1892 و1912، بقيمة جملية بلغت 403 مليون فرنكا فرنسيا. وهكذا تطوّر حجم الدين الخارجي من حوالي 80 مليون فرنكا فرنسيا في العام 1869 إلى أكثر من نصف مليار فرنك خلال أقل من نصف قرن.

البنوك كمطلب للحركة الوطنيّة 

تَطوّرَ حضور البنوك في تونس منذ بداية القرن العشرين، لكنَّهَا ظلَّت تَحت السّيطرَة الكاملة للفرنسيين والأوروبيّين، ليس فقَط من ناحية جنسيّة المُلاّك والمساهمين، بل حتى الحرفاء والمستفيدين.

في تلك الفترة، كان السّوَاد الأعظم من التونسييّن خارج حسابات البنوك الأوروبّية لعدّة أسباب؛ أوّلَها الواقع الاقتصادي الاجتماعي، فأغلب التونسيين في ذلك الوقت كانوا ينتمون إلى شرائح صغار الفلاحين والحرفيين والفلاّحين بدون أرض والعمّال المُيَاوِمين.

وحتّى كبار الفلاحين والتجار، كانت أفكارُهم وممارساتهم تقليديّة وريعيّة غير منسجمة مع آليّات الادّخار والاستثمار والمضاربة. ثانيا، لم يكن لأغلب التونسيّين وثائق تُثبت ملكيّتهم للأراضي التي يعيشون فوقها ويستغلّونها مما يَحرِمهم من إمكانيّة تقديمها كضمانات للحصول على قروض من البنوك. ثالثًا، كانت هناك عوامل ثقافيّة دينيّة تتعلق بتحريم الإسلام للرّبا وسُخط المجتمع على المرابين.

رابعا، وربّما هذا هو العامل الأهمّ، لم تكن البنوك الأوروبيّة ومعها السلطات الاستعمارية متحمّسَة لتطوير الاقتصاد المحلّي والإسهام -عبر التمويل- في نشوء برجوازية تونسية عصرية. ولعلّ هذه الحسابات الاستعماريّة هي التي دفعت الحركة الوطنية إلى تبنّي فكرة إنشاء بنوك تونسية في وقت مبكر من القرن العشرين. في كتابه المعنون “تاريخ تونس الاجتماعي 1881 – 1956” يسلّط المؤرخ التونسي عبد الجليل التيمومي الضوء على أبرز محاولات النّخب الاقتصاديّة والسياسيّة التونسيّة لخلق قطاع بنكي تونسيّ.

منذ بداية القرن الـ20، أشرف قياديّون في “حركة الشباب التونسي” -وأغلبهم مثقفون من أبناء عائلات برجوازية درسوا في الخارج- على تأسيس أول بنك تونسيّ: “المصرف التجاري العربي”، في عام 1917، ولاقوا تعطيلات من السلطات الاستعمارية واعتراضات من شيوخ الدين، فضلا عن ضعف إمكانياتهم التنظيمية والتمويلية خاصة في ظلّ استعار الحرب العالمية الأولى، مما اضطرّهم إلى إنهاء التجربة بعد سنتين أو ثلاث من انطلاقها. 

وتكرّرت التجربة بعد أعوام قليلة تحت مسميّات جديدة لتفادي الاعتراضات الدينيّة والعراقيل البيروقراطية الاستعمارية، إذ استغلت مجموعة من الأعيان التونسيين صدور مرسوم 10 ديسمبر 1919 المنظم لشروط “القرض التعاونيّ” لتأسيس “بنك التعاضد المالي” في 1922، والذي تحصّلَ على الحقّ في تقديم جلّ الخدمات البنكيّة باستثناء المُضاربة في البورصة.

لكن هذا “البنك” الذي ظلّ لمدّة أعوام طويلة تحت سيطرة صاحب الأعمال والسياسة، محمد شنيق، كان انتقائيًّا بشدّة، واقتصرت الاستفادة منه على مجموعة صغيرة من كبار التجّار والحرفيين التونسيين الذين تربِطهم علاقاتٌ جيّدة بالمشرفين على التعاونية المصرفية. 

إزاء هذا التعثّر، قرّر الحزب الحرّ الدستوريّ الجديد، التنظيم الأبرز في الحركة الوطنية، تبنّي المطلب، وأعلن خلال مؤتمره العام في سنة 1937 إنشاء “ديوان اقتصاديّ” يُعهَد له بالإشراف على جملة من المشاريع الاقتصاديّة أبرزها تأسيس بنك تونسي.

استطاع الدّيوان الاقتصاديّ تأمين رأس المال وقَدّمَ في فيفري 1938 ملفّ إنشاء البنك إلى السّلطات الاستعماريّة، لكن هذه الأخيرة ماطلَت في الترخيص للبنك الجديد، واستغلّت أحداث “9 أفريل 1938” الدامية لتتّهِمَ اللجنة المكلفة بإنشاء البنك بالتورّط في الحركة الاحتجاجيّة قبل أن تحجز الأموال المرصودة لتشغيل البنك. 

حتى عندما طرح صاحب الأعمال والمهندس التونسي، محمد علي العنابي، في العام 1943 فكرة إنشاء بنك تونسي بتمويل من الولايات المتحدة، رفضت السلطات الاستعمارية الترخيص له، كما رفضت في عام 1947 مطلب “بنك التعاضد المالي” في التحوّل إلى بنك تجاريّ بشكلٍ كامل، قبل أن توافق أخيرًا في سنة 1953 (قبيل الاستقلال بثلاثة أعوام) ليظهر بذلك “البنك الشعبي التونسي” أول البنوك التجارية التونسية. 

كل هذه التجارب، الفاشلة منها وشبه الناجحة، لم تُقدّم هي الأخرى حلولًا لمعظم التونسيّين، الذين ظلّ أغلبهم يعولون على إمكانياتهم الذاتية أو أشكال التضامن العائلي/القبلي، أو خدمات المرابين.

القطاع البنكي في تونس بعد الاستقلال: مسارٌ متعرّج 

تمّ تأسيس أول بنك عموميّ تحت مسمّى “الشركة التونسيّة للبنك” في يناير/جانفي 1957، أي بعد أقلّ من سنة من استقلال البلاد في مارس 1956. وذلك حتى قبل إنشاء البنك المركزي في سبتمبر 1958 وإصدار العملة التونسية الجديدة (الدّينار) في نوفمبر/ تشرين الثاني الموالي.

وكانت السلطة التي استلمَت لتوّها مستعمرَةً سابقة في سباق مع الوقت لتوفير آليات التمويل والتنمية الاقتصادية، بخاصّة في المجالات التي تعتبرها ذات أولوية، فتمّ بعث بنك عمومي ثانٍ في عام 1959 لدعم قطاع الفلاحة “البنك القومي الفلاحي”، و”البنك الوطني للتنمية السياحية” في 1963. ونظرًا للفوارق الاقتصاديّة بين شمال البلاد وجنوبها، تمّ إنشاء “بنك الجنوب” في العام 1968 لتقليص التفاوت التنمويّ.

كما تمّت إعادة هيكلة “الشّركة الوطنيّة للاستثمار” التي تأسّست سنة 1959 لتصبح “بنك التنمية الاقتصادية لتونس” في سنة 1973. ومع ارتفاع نسب النمو الديمغرافي بعد الاستقلال وبداية تضخّم المراكز الحضريّة، ظهرتْ الحاجة إلى وضع برامج إسكان اجتماعيّ وبالطبع تمويلها، فأُحدِث الصندوق الوطنيّ للادّخار الإسكانيّ في عام 1973، الذي تغيّر اسمُه في عام 1989 ليصبح “بنك الإسكان”. 

بالتوازي مع تزايد عدد البنوك العمومية، بدأ حضور القطاع الخاص في التطوّر ببطء منذ مطلع ستينيات القرن الفائت، ليس عبر إنشاء بنوك جديدة بل في أغلب الأحيان عبر اشتراء رؤوس أموال تونسيّة لفُروع بنكيّة أوروبيّة عاملة في تونس وتغيير أسمائها أو انصهار عدة بنوك أجنبية مع بعضها البعض، مثل نشأة “الاتحاد البنكي للتجارة والصناعة” في 1961 إثر انصهَار عدة فروع بنكية فرنسية، و”الاتحاد الدولي للبنوك” في 1963 إثر انصهار “الكريدي ليوني” و”الشركة الفرنسية التونسية للقرض”، وولادة “بنك القرض العقاري والتجاري في تونس” في 1970 (بنك الأمان حاليّا) إثر اشتراء رجل أعمال تونسي فروع “كريدي فونسييه الجزائر وتونس”، وكذلك تأسيس “البنك الدولي العربي التونسي” في 1976.

في ثمانينيات القرن الفائت، شهِدَ القطاع البنكيّ ضخّ دماء جديدة عبر دخول الاستثمارات الخليجيّة على الخطّ (والليبيّة بدرجة أقلّ) إما عبر تأسيس بنوكٍ مشتركة مع الدولة التّونسيّة، أو عبر إنشاء بنوك “إسلاميّة” مثل “بيت التمويل التونسيّ السعودي”، على الرغم من أنّ الدولة كانت في مرحلة صراعٍ حادّ مع الإسلامييّن.

كما أنّ موافقة تونس على برنامج تعديل هيكليّ أعدّه صندوق النقد الدوليّ في 1986 وانخراطها في مرحلة “إصلاحات” ليبراليّة كانَ له أثرٌ كبير على القطاع البنكيّ الذي سيشهَد تحوّلات كبيرة منذ مطلع تسعينيات القرن الـ20 إلى نهاية العقد الأول من القرن 21، أي خلال فترة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

في تلك الفترة خفّفَت الدّولة تدريجيّا قبضتها على القطاع، ورفعَت عدّة قيود في مجال الإقراض ونسب الفائدة والخدمات البنكيّة وأسعارها، وسَنَّت عدة تشريعات لتنشيط القطاع المالي عمومًا من أبرزها القانون عدد 107 لسنة 1992 المتعلّق بإحداث أدواتٍ ماليّة جديدة لتوظيف الادّخار، والقانون عدد /117/ لعام 1994 المُنظّم للسوق الماليّة والذي أُحدثت بمقتضاه “هيئة السوق المالية” لتلعب دور الجهاز الرقابيّ المستقلّ، والقانون عدد 65 لعام 2001 المتعلّق بمؤسّسات القرض والذي ألغى التّمييز بين بنوك الإيداع وبنوك الاستثمار ومَنحَ كلّ البنوك الحقّ في توفير كلّ الخدمات الماليّة.

اتّسمَت تلك الفترة أيضا بالشروع في تصفية بعض البنوك العموميّة جزئيّا أو كليّا، سواء عبر آليات الانصهار والاستحواذ كما حدث مع “البنك الوطنيّ للتنمية السياحية” و”بنك التنمية الاقتصادية التونسية” اللذين استحوذت عليهما “الشركة التونسية للبنك” في العام2001،  أو عبر عمليّات الخصخصة كما هي الحال مع “بنك الجنوب” الذي تمّت خصخصتُه على مراحل ما بين عامي 1997 و2005.

وكذلك عبر التفويت في حصص بنوك عمومية من أصول مؤسسات اقتصادية عمومية وخاصة. كما استفاد مقرّبون من الرئيس بن علي، خاصّة أشقاء زوجته ليلى الطرابلسي وأزواج بناته، من امتيازاتهم العائليّة لضمان موقع مريح في السوق البنكيّة، فاستفاد محمد صخر الماطري من خصخصة “بنك الجنوب” في 2004 وتحصّل على رخصة تأسيس البنك الإسلاميّ “الزيتونة” في 2009، وسيطرت عائلة مروان المبروك على حصّة أغلبية في “بنك تونس العربي الدولي”، واستطاع بلحسن الطرابلسي الحصول على عضوية مجلس إدارة “البنك التونسي”، والأمثلة الأخرى كثيرة. 

وشهدت تلك الفترة أيضا عودة قوية للاستثمارات الأوروبية التي تحصّلت على حصصٍ مهمّة في رؤوس أموال بنكية تونسية، فضلًا عن سعي الدولة إلى تشجيع البنوك غير المُقيمة على العمل في تونس عبر سنّ القانون عدد /64/ لعام 2009. 

تَراجعَ دور البنوك العمومية تدريجيا، وأُفسِحَ المجال أمام البنوك الخاصّة في انسجام مع التوجّهات الليبراليّة للسلطة الهادفة إلى تخفيض تدخّل الدولة في النشاط الاقتصادي والتشغيل وتقليص إنفاقها الاجتماعي.

ومن أبرز الدلائل على هذا التوجّه تراجع مساهمة “بنك الإسكان” في توفير المساكن الاجتماعية وتحوّله إلى بنك تجاري لا يختلف كثيرا عن بقية البنوك. كما شهدت تونس في عام 1995 ظهور التّمويل الصغير ومتناهي الصغر Microfinance من بوّابة المنظّمات غير الحكوميّة (إندا – العالم العربيّ) قبل أن يصبح قطاعًا منظّمًا بمقتضيات القانون عدد /67/ لعام 1999 المتعلق بتأطير القروض الصغرى المسندة من قبل الجمعيات.

كما سعت الدولة إلى التخلّص من أعباء التشغيل والدعم الاجتماعيّ للفئات الهشّة وحاملي الشهادات الجامعيّة تحت يافطة التشجيع على بعث المؤسسات والتعويل على الذات ودعم روح المبادرة، وسخّرت لذلك بعض آليات التمويل مثل “البنك التونسي للتضامن” في 1997 و “بنك تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة” في 2005. 

بعد ثورة 2011، لم يبقَ قطاع البنوك خارج نطاق الهزّات السياسيّة والاجتماعيّة التي عاشتها البلاد. شَهِدَ في مرحلة أولى اضطرابات تتعلّق أساسًا بمصادرة حِصَص بعض المقرّبين من الرئيس السابق بن علي (تمّت خصخصتها فيما بعد، وأبرزها بنك الزّيتونة الذي كان على ملك محمد صخر الماطري وتمّ التفويت فيه لصالح مجموعة الماجدة القطرية).

وكذلك برزت اتّهامات بالتواطؤ مع النظام السابق ومحاباة أصحاب أعمال فاسدين ومنح قروض بضمانات غير كافية أو منعدمة (خاصة البنوك العمومية). لم تدُم “محنة” البنوك طويلًا: فمع تعثّر مسار العدالة الانتقاليّة والمحاسبة والمرور مباشرةً إلى نظام شبه ديمقراطيّ هشّ قائم على الصفقات والتّوافقات والتّفاهمات غير المبدئيّة والحضور القويّ للمال السياسيّ، وجدَ كبار المساهمين في البنوك وضعًا مؤاتيا للتأثير في المشهد والقرار السياسيّين.

وتَجدَّدَ النقاش خلال فترة حكم “الترويكا” (2011 – 2014) حول خصخصة البنوك العمومية بعيد الثورة، بخاصّة مع تراكم ديونها وتراجع تأثيرها في الاقتصاد الوطني. لكن تمّ غلق هذا الباب في عام 2015 مع إقرار خطة لإعادة رسملة البنوك العمومية الثلاثة الكبرى (الشركة التونسية للبنك، البنك الوطني الفلاحي وبنك الإسكان) بمبلغ يناهز المليار دينار آنذاك،

ذهبت أكثر من ثلاثة أرباعه إلى “الشركة التونسية للبنك”. ولم تكتفِ الدولة بالحفاظ على بنوكها، بل اشترت حصصًا تمثل أغلبية حصص بنوك أخرى مثل “البنك التونسي – الكويتي” في 2019، قبل أن تُفوت فيها -في خطوة غير مفهومة- إلى القطاع الخاص في 2021.

كما تواتَرَ الحديث عن إنشاء بنك بريدي، وهو مطلبٌ يحظى بشعبيّة في تونس، لكن لم تقمْ الحكومات المتعاقبة – لأسباب متعدّدة- بخطواتٍ جدّية في هذا الاتجاه. ومن أبرز التشريعات ذات العلاقة بالقطاع البنكي التي سنّت بعد ثورة 2011 القانون عدد 35 لسنة 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي الذي منَحَ هذه المؤسسة صلاحيّات إضافية واستقلاليّة أكبر. 

بعد “الإجراءات الاستثنائيّة” التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 جويلية/ يوليو 2021، عاشت البنوك فترة أخرى من الاضطرابات، بخاصّة مع تصاعد الخطاب الشعبويّ والضغوط السياسيّة المباشرة من قبل السلطة، لدفع البنوك إلى المساهمة في مشاريع ورؤى “مسار 25 جويلية”.

ومع تواتر الإيقافات والمحاكمات التي استهدفت كوادر بنكيّة سابقة ومباشرة في بنوك عمومية ومُسَاهِمين كبار في عدة بنوك خاصّة -بتهمٍ شتّى بعضها يتعلق بنشاطهم البنكي وبعضها الآخر بمؤسساتهم الأخرى- جنحت البنوك إلى مهادنة السلطة وتكيّفَت مع الوضع الجديد، وعبّرَت عن استعدادها لدعم المشاريع الرئاسية الكبرى وأبرزها “الشركات الأهلية”، بل إنها استطاعت الاستفادة من الواقع السياسي والاقتصادي الجديد، إذ أصبحت أكبر ممولي الموازنة العامة مع تزايد لجوء الدولة إلى الاقتراض الداخلي.

وعليه، تطوّرَ الدين العمومي الداخلي ليبلغ حوالي 88،1 مليار دينار في نهاية العام المالي المنقضي 2025، أي أكثر من 60% من إجمالي الدين العامّ الذي تجاوزت قيمته 145 مليار دينار. لكن هل سيستمرّ هذا “التكيّف” والمهادنة طويلا، وماذا إذا تزايَدَت طلبات السلطة وضغوطاتها المختلفة؟ 

حاولنا فيما سبق استعراض أبرز المراحل التي مرّ بها القطاع البنكي خلال قرابة القرن ونصف القرن، وفي انتظار “المستقبل” الذي تنبئ عدّة مؤشرات بأنه سيُحدِث تغييرات عميقة في بِنية القطاع وأدواره، قد يكون من الضروري التدقيق في تفاصيل المشهد البنكي الحالي. 

منشورات ذات علاقة

القروض البنكية بتونس تكشف فجوة بين التمويل والنمو الاقتصادي

بريد بنك المغرب يعزز الاقتصاد الرقمي

القطاع البنكي بالمغرب مكتف بالاستثمار في العقار