بنوك عربية
يتجه مصرف ليبيا المركزي إلى تشديد قبضته على حركة التجارة الخارجية في محاولة لكبح تمدد الاقتصاد الموازي، وتجفيف منابع غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، عبر إجراءات جديدة تستهدف حصر عمليات الاستيراد والتصدير داخل القنوات المصرفية الرسمية.
وكشفت وثيقتان رسميتان صادرتان عن محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى، عن تحرك واسع لإعادة ضبط سوق النقد الأجنبي والحد من التدفقات المالية غير الخاضعة للرقابة، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات السوق السوداء على الاستقرار المالي والتقييم الدولي لليبيا.
مهلة حتى 15 يونيو 2026
وطالب المصرف المركزي وزارة الاقتصاد والتجارة بإصدار قرار يمنع عمليات الاستيراد وإعادة التصدير التي تتم خارج القطاع المصرفي، محددا يوم 15 يونيو/ حزيران 2026 موعدا مستهدفا لبدء تنفيذ القرار.
ويعكس هذا التحرك قناعة متنامية لدى السلطات النقدية بأن جزءا كبيرا من النشاط التجاري في ليبيا يجري عبر شبكات دفع موازية بعيدة عن الرقابة الرسمية، وهو ما يؤدي إلى استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي وخلق مسارات مالية يصعب تتبعها.
ويرى مراقبون أن الخطوة تمثل محاولة مباشرة لاستعادة السيطرة على دورة العملة الأجنبية بعد أعوام من اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، الأمر الذي شجع التجار على الاعتماد على قنوات غير مصرفية لتغطية عمليات الاستيراد.
السوق الموازية تحت الضغط
وأكد مصرف ليبيا المركزي في مخاطباته أن استمرار استخدام وسائل الدفع غير المصرفية يغذي الاقتصاد الموازي ويفتح الباب أمام تمويل أنشطة غير قانونية تشمل التهريب وغسل الأموال والفساد المالي.
وأشار إلى أن هذه الآليات لا تؤثر فقط على السياسة النقدية، بل تنعكس أيضا على جودة السلع المتداولة داخل السوق الليبية، إذ غالبا ما تدخل منتجات غير مطابقة للمواصفات نتيجة غياب الرقابة المصرفية والفنية المرتبطة بعمليات الاعتماد والتحويل الرسمية.
ويعتقد خبراء اقتصاديون أن السلطات الليبية تحاول من خلال هذه الإجراءات بناء منظومة تتبع مالي أكثر صرامة، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية المتعلقة بملفات الشفافية والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
سحب الذرائع من التجار
وفي موازاة تشديد الرقابة، سعى المركزي الليبي إلى توفير بدائل مصرفية للتجار والشركات بهدف تقليص الاعتماد على السوق السوداء.
وشملت الإجراءات الجديدة توفير حوالات مباشرة لصغار التجار والحرفيين بسقف يصل إلى 100 ألف دولار، إلى جانب السماح بإجراء حوالات بالعملة الأجنبية بين الحسابات داخل المصارف الليبية، بما يتيح تنفيذ عمليات توريد السلع والخدمات بصورة أكثر مرونة.
كما أحال المصرف المركزي إلى وزارة الاقتصاد كافة بيانات الاعتمادات المستندية الممنوحة للقطاع الخاص بالسعر الرسمي خلال الفترة الممتدة من الأول من يناير/ كانون الثاني وحتى 12 مايو/ أيار 2026، في خطوة تهدف إلى تعزيز التنسيق بين السياسة النقدية والرقابة التجارية.
ويرى متابعون أن هذه التسهيلات تحمل رسالة واضحة مفادها أن المصرف المركزي يسعى لإغلاق المسارات غير الرسمية تدريجيا دون التسبب في شلل لحركة التجارة أو خلق أزمة نقص في السلع.
ضغوط دولية متزايدة
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه ليبيا تدقيقا دوليا متصاعدا بشأن بيئة الأعمال والحوكمة المالية، خاصة في ظل استمرار تصنيفها ضمن الدول الأكثر عرضة لمخاطر الفساد وضعف الشفافية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الاقتصاد الموازي في ليبيا بات يستحوذ على نسبة كبيرة من الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي، مستفيدا من هشاشة الرقابة والانقسام المؤسسي الذي تعانيه البلاد منذ سنوات.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس سلبا على علاقات ليبيا المالية الخارجية وعلى قدرتها في جذب الاستثمارات والتعامل مع المؤسسات المصرفية الدولية، خصوصا مع تشدد المعايير العالمية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.