أخبار أخبار عالمية تقارير و دراسات 🇱🇾 🇲🇦

الاقتصاد الليبي يواجه اختبار استدامة الطفرة النفطية

بنوك عربية

يقف الاقتصاد الليبي في منتصف العام المالي الجاري 2026 أمام فرصة مالية نادرة، مدفوعاً بارتفاع إنتاج النفط وتحسن توقعات النمو والمالية العامة. لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعني بالضرورة دخول البلاد مرحلة استقرار اقتصادي مستدام، إذ يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بقدرة المؤسسات المالية على تحويل العائدات النفطية الإضافية إلى استقرار في الأسعار وسعر الصرف، بدلاً من أن تتحول إلى موجة انتعاش مؤقتة تعقبها ضغوط جديدة.

في اقتصادٍ يعتمد بدرجة كبيرة على النفط في توليد الإيرادات العامة والنقد الأجنبي، يصبح دور مصرف ليبيا المركزي محورياً في إدارة تدفقات النقد الأجنبي، وتنظيم السيولة، وتوفير الدولار عبر القنوات الرسمية، بما يحدد إلى حد كبير ما إذا كانت الطفرة الحالية ستنعكس على القوة الشرائية والقطاع الخاص، أم ستبقى محصورة في تحسن مؤقت للمؤشرات الكلية.

وتؤكد أحدث البيانات الرسمية حجم التحسن في قطاع الطاقة، إذ أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن إجمالي الإنتاج بلغ في 21 يونيو نحو 1.488 مليون برميل يومياً، منها 1.438 مليون برميل من النفط الخام، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد منذ العام المالي2013.

ودفع هذا التحسن المؤسسات الدولية إلى رسم توقعات أكثر تفاؤلاً للاقتصاد الليبي. فقد أبقى صندوق النقد الدولي (IMF)، في ختام مشاورات المادة الرابعة في 22 يونيو 2026، على تقديراته لنمو الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.7% خلال 2026، لكنه توقع في المقابل وصول معدل التضخم إلى 10.5%.

كما رجح مجموعة البنك الإفريقي للتنمية (AfDB)، في تقريره الصادر في 8 يونيو 2026، تحول عجز المالية العامة إلى فائض يعادل 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري، قبل أن يتراجع إلى 1.6% في 2027، بدعم من ارتفاع الإيرادات النفطية.

لكن اقتران النمو المرتفع بتضخم يتجاوز 10% يكشف أن تحسن الناتج لا ينتقل بالضرورة بالوتيرة نفسها إلى معيشة السكان، إذ قد تبقى القوة الشرائية تحت الضغط حتى في ظل ارتفاع الإيرادات العامة.

فجوة النقد الأجنبي وحجم الطلب على الدولار

يكمن أحد الاختلالات الرئيسية في الاقتصاد الليبي في أن زيادة الإنفاق الممول بالعائدات النفطية تتحول سريعاً إلى طلب على الواردات، نتيجة محدودية القاعدة الإنتاجية المحلية واعتماد السوق على السلع والخدمات القادمة من الخارج.

تكشف بيانات مصرف ليبيا المركزي حجم هذه الفجوة. فخلال عام 2025، بلغت الإيرادات النفطية المحولة إلى المصرف نحو 22.1 مليار دولار، بينما وصلت الاستخدامات الفعلية للنقد الأجنبي إلى 31.1 مليار دولار، ما أوجد فجوة تقارب 9 مليارات دولار، غطاها المصرف من عوائد استثماراته الخارجية.

لا تعني زيادة إنتاج النفط خلال العام الجاري أن هذه الفجوة ستختفي تلقائياً، إذ يعتمد ذلك على حجم الإنفاق العام والواردات والتحويلات والطلب الفردي على العملات الأجنبية.

كما تظهر بيانات المصرف أن استخدامات البنوك التجارية من النقد الأجنبي بلغت نحو 3.57 مليار دولار خلال يناير وفبراير 2026، بانخفاض نسبته 35.4% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

جاء الجزء الأكبر من هذا الانخفاض نتيجة تراجع مخصصات الأغراض الشخصية بنسبة 80.7%، بينما ارتفعت الاعتمادات المستندية المخصصة لتمويل التجارة بنسبة 5.7%، وقفزت التحويلات المالية بنحو 172.5%.

وتشير هذه التحركات إلى أن الاقتصاد لا يزال يستهلك جانباً كبيراً من تدفقاته الدولارية في تمويل التجارة والتحويلات والاستهلاك، حتى مع تحسن إيرادات النفط، ما يضع «المصرف المركزي» أمام تحدي إدارة الطلب على النقد الأجنبي وتوزيعه بين احتياجات التجار والأفراد والجهات العامة.

تأثير الإنفاق العام على الدينار والسوق الموازية

يرتبط استقرار سعر الصرف بدرجة كبيرة بحجم الإنفاق العام وكيفية تمويله. فقد أشار «صندوق النقد الدولي» إلى أن عجز المالية العامة في ليبيا اقترب خلال 2025 من 30% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما ارتفع الدين العام إلى نحو 146% من الناتج، بعدما تضاعف تقريباً خلال عامين.

وتوضح هذه المستويات أن الضغوط على الدينار لا تنشأ من نقص الإيرادات النفطية وحده، بل من الفجوة بين الموارد المتاحة وحجم الإنفاق والطلب الذي يولده داخل السوق.

فتوسع الإنفاق وضخ سيولة إضافية في اقتصاد محدود الإنتاج المحلي يحولان جانباً كبيراً من الطلب إلى السلع المستوردة، ومن ثم إلى طلب إضافي على الدولار، ما يرفع سعره في السوق الموازية ويزيد الضغوط على السعر الرسمي للدينار.

في هذا السياق، اكتسب اعتماد أول إطار إنفاق موحد منذ أكثر من 13 عاماً في أبريل 2026 أهمية اقتصادية مباشرة، إذ قال مصرف ليبيا المركزي إن الخطوة تستهدف ترشيد المصروفات، وتقليص الاختلالات المالية، وتعزيز الانضباط، بما يدعم استقرار سعر الصرف وقيمة العملة المحلية.

دور مصرف ليبيا المركزي وتحديات السياسة النقدية

اتخذ مصرف ليبيا المركزي خلال الأشهر الماضية سلسلة من الإجراءات لتنظيم سوق النقد الأجنبي، شملت توسيع فتح الاعتمادات المستندية، وتنظيم عمل شركات ومكاتب الصرافة، والسماح بضخ الدولار نقداً عبر المصارف التجارية لتلبية احتياجات الأفراد وتقليص الاعتماد على السوق الموازية.

تهدف هذه الإجراءات إلى نقل الطلب على العملات الأجنبية إلى النظام المصرفي، وتحسين الشفافية في التحويلات، وتوفير الدولار للتجار والأفراد عبر قنوات رسمية.

لكن قدرة هذه الخطوات على تثبيت السوق تبقى محدودة إذا استمر الطلب على الدولار في الارتفاع نتيجة التوسع في الإنفاق والسيولة.

وحذر صندوق النقد الدولي من أن الاعتماد المتكرر على خفض قيمة العملة والقيود الإدارية والسحب من الاحتياطيات، من دون معالجة الاختلالات المالية، قد يؤدي إلى استمرار التضخم، وإضعاف هوامش الأمان الخارجية، وزيادة التشوهات التي تواجه القطاع الخاص.

ويعني ذلك أن المصرف المركزي يستطيع احتواء تقلبات السوق وتوسيع قنوات الوصول إلى الدولار، لكنه لا يستطيع بمفرده إلغاء الضغوط التي تنتجها السياسة المالية.

مستقبل الاقتصاد الليبي وإدارة الإيرادات النفطية

توفر الطفرة النفطية الحالية فرصة حقيقية لتحسين أوضاع الاقتصاد الليبي، لكنها في الوقت نفسه تضع مصرف ليبيا المركزي أمام اختبار صعب.

فنجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بارتفاع إنتاج النفط أو زيادة الإيرادات، بل بقدرة الاقتصاد على تحويل هذه الموارد إلى استقرار في سعر الصرف، وتراجع التضخم، وتحسين توافر العملات الأجنبية عبر النظام المصرفي، بما يعزز ثقة المستثمرين والقطاع الخاص.

ويبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج مزيد من النفط، وإنما في إدارة عائداته بكفاءة، حتى لا تتحول الطفرة الحالية إلى موجة جديدة من الضغوط على الدينار والأسعار عند أول تراجع في الإيرادات النفطية. 

مواضيع ذات صلة

فيتش: السيولة تعزز صلابة البنوك الإسلامية الخليجية

Nesrine Bouhlel

بنوك الخليج والمغرب العربي الكبير تثبت سعر الفائدة

Nesrine Bouhlel

4.7 % نمو إقتصاد غرب إفريقيا في 2026

Nesrine Bouhlel