بنوك عربية
لقد تجاوزت تونس أعوام من الاضطرابات الاقتصادية والمالية الحادة، وحافظت على مصداقيتها الدولية وعززت التوازن الاقتصادي الكلي. ومع ذلك، يبقى التحدي الأهم للمستقبل هو تحويل هذا الاستقرار إلى عهد جديد من الاستثمار الإنتاجي. هذه هي الرسالة التي أطلقها محافظ البنك المركزي التونسي فتحي زهير نوري، أمس الخميس الموافق لـ 25 يونيو 2026 في منتدى تونس للاستثمار 2026، حيث استعرض حالة الاقتصاد الوطني، وآفاق المستثمرين، ودور النظام المالي في دعم النمو.
وفي كلمته، وضع نوري الوضع التونسي في سياق دولي يتسم بعدم الاستقرار والأزمات المتكررة. وقال المحافظ: “نعيش في عالم ننام فيه على أزمة ونستيقظ على صدمة”، مستذكراً كيف واجهت تونس “سلسلة من الأحداث الخارجية التي لم تكن سبباً فيها ولم تخترها” في الأعوام الأخيرة: من تداعيات ثورة 2011 إلى جائحة كوفيد-19، والتوترات الجيوسياسية العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة والسلع، وتشديد الأوضاع المالية الدولية.
بحسب نوري، في هذا السياق، “لم تعد القدرة التنافسية لأي دولة تعتمد فقط على تكاليف العمالة أو توافر الموارد الطبيعية، بل على قدرتها على الصمود في وجه الصدمات، والحفاظ على ثقة المستثمرين، وجذب رؤوس الأموال والكفاءات، وتحويل المعوقات إلى فرص تنموية”.
ومن هذا المنطلق، سلّط محافظ البنك المركزي التونسي الضوء على نقاط قوة تونس، وتحديداً “موقعها الاستراتيجي عند ملتقى طرق أوروبا وأفريقيا والعالم العربي، ورأس مالها البشري الماهر، وتاريخها الصناعي العريق، وقطاعها الخاص الذي أظهر مرونة حتى في أصعب الظروف الاقتصادية”.
وتناولت إحدى النقاط الرئيسية في خطابه المصداقية المالية للبلاد. وأشار نوري إلى أنه في عام 2023، توقع العديد من المحللين الدوليين احتمالاً كبيراً لتخلف تونس عن سداد ديونها. وأكد المحافظ قائلاً: “لم يحدث ذلك التخلف عن السداد، فقد أوفت البلاد بجميع التزاماتها المالية الخارجية في الوقت المحدد”. وأضاف أن هذا القرار ساهم، بحسب محافظ البنك المركزي التونسي، في استعادة الثقة في الأسواق الدولية.
كدليل على هذا التحسن، استشهد نوري بالانخفاض الحاد في عوائد السندات السيادية التونسية، التي تراجعت من أكثر من 30% في عام 2023 إلى متوسط حوالي 7% في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026. ويرى أن هذا الرقم يعكس “استعادة الثقة في قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها المالية وإعادة بناء سمعتها تدريجياً في الأسواق الدولية”.
كما تُظهر مؤشرات الاقتصاد الكلي علامات إيجابية. إذ تبلغ احتياطيات النقد الأجنبي حالياً حوالي 25,5 مليار دينار (حوالي 7,8 مليار يورو)، أي ما يعادل واردات 104 أيام. وبلغ النمو الاقتصادي 2,6% في النصف الأول من عام 2026، مقارنةً بـ 1,6% في العام السابق.
وفي الوقت نفسه، انخفض عجز الحساب الجاري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، بعد أن انخفض إلى 1,6% في عام 2024، مقارنةً بمستويات تجاوزت 8% سُجلت في الأعوام السابقة.
تم التركيز بشكل خاص على تباطؤ التضخم، الذي انخفض من أكثر من 10% في عام 2023 إلى ما يقارب 5,3-5,5% حاليًا، وعلى عملية خفض الدين الخارجي. فقد انخفض الدين الخارجي لتونس من 82 مليار دينار (حوالي 25 مليار يورو) إلى 68 مليار دينار (حوالي 20,8 مليار يورو) بين عامي 2022 و2025، أي بانخفاض قدره 18%.
ووفقًا للمحافظ، يُظهر هذا ازديادًا في الاستدامة المالية وانخفاضًا في الاعتماد على الأسواق الدولية. وبينما أشاد نوري بهذه الإنجازات، تجنب المبالغة في التفاؤل، مؤكدًا أن “التقدم المُحرز لا يزال هشًا في ظل سياق عالمي لا يزال يتسم بدرجة عالية من عدم اليقين. ولهذا السبب، يواصل البنك المركزي مراقبة تطور التضخم وسعر الصرف واحتياطيات النقد الأجنبي عن كثب، من أجل الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والمالي”.
ثم أكد محافظ البنك المركزي التونسي على أن الاستثمار هو المحرك الرئيسي للمرحلة المقبلة من التنمية في البلاد. وصرح نوري قائلاً: “الاستثمار هو مفتاح التحولات الاقتصادية”، موضحاً أنه “بدون استثمارات جديدة، لا يمكن تحقيق الابتكار، أو زيادة الإنتاجية، أو النمو المستدام، أو التحديث الاقتصادي”.
ومع ذلك، أشار رئيس البنك المركزي التونسي إلى أن الإصلاحات التنظيمية والحوافز الضريبية، على الرغم من أهميتها، ليست كافية. وأضاف: “بل نحتاج إلى بناء ثقافة استثمارية حقيقية، تُعتبر فيها خلق الثروة هدفاً مشروعاً، وريادة الأعمال دعوة للأجيال الجديدة”.
في خطابٍ ألقاه أمام رجال الأعمال التونسيين، حثّ نوري على تجاوز حالة الترقب والانتظار التي سادت خلال أعوام الأزمة. وأكد الخبير الاقتصادي قائلاً: “يجب أن تنبع أولى بوادر الثقة في الاقتصاد التونسي من التونسيين أنفسهم”، داعياً الشركات إلى الاستثمار في تحديث مرافقها، والابتكار، والتوسع في الأسواق الخارجية.
وفي الوقت نفسه، وجّه محافظ البنك المركزي التونسي رسالةً إلى المستثمرين الدوليين، مُعرّفاً تونس كدولة قادرة على توفير “فرص حقيقية”. وفي عام 2025، تجاوز الاستثمار الأجنبي المباشر 3,5 مليار دينار (حوالي 1,07 مليار يورو)، مسجلاً نمواً يزيد عن 30% مقارنةً بالعام السابق.
وباستثناء قطاع الطاقة، أسفرت هذه التدفقات عن 921 صفقة وأكثر من 14 ألف وظيفة جديدة. وتُعدّ فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والولايات المتحدة من بين أبرز المستثمرين الأجانب في البلاد. وبحلول عام 2026، تهدف الحكومة إلى الوصول إلى أربعة مليارات دينار (حوالي 1,22 مليار يورو) من الاستثمارات الأجنبية.
كما سلّط نوري الضوء على القطاعات ذات إمكانات النمو الأكبر، بما في ذلك صناعة السيارات، التي تضم أكثر من 280 شركة متخصصة في تصنيع المكونات، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الأخضر، والذكاء الاصطناعي، وبيئة الشركات الناشئة، التي عززها قانون الشركات الناشئة، الذي يُعدّ من أكثر الأطر التنظيمية تطوراً في القارة الإفريقية.
وركز جزء كبير من كلمته على دور البنوك والبنك المركزي في دعم الاستثمار. ووفقاً لنوري، لا يزال القطاع المصرفي التونسي “القناة الرئيسية لتمويل الاقتصاد، حيث بلغ إجمالي حجم الائتمان 118 مليار دينار (حوالي 36,1 مليار يورو) بنهاية عام 2024”. وخلال الفترة نفسها، نمت الودائع بأكثر من 10%، ما يعكس ثقة المدخرين وتوافر الموارد التي يمكن توجيهها نحو استثمارات إنتاجية.
أوضح محافظ البنك المركزي أن البنك يعمل على تعزيز تخصيص الائتمان بشكل أفضل وتحديث أنظمة إدارة المخاطر، لضمان أن تصبح المخاطر محركاً للتنمية لا عائقاً أمامها.
وفي الوقت نفسه، يدعم البنك تنويع مصادر التمويل من خلال سوق رأس المال، والاستثمار الخاص، والأدوات المالية المبتكرة التي تُكمّل القنوات المصرفية التقليدية.
واختتم نوري حديثه قائلاً: “لقد استعدنا الاستقرار في الأعوام الأخيرة، والآن يجب علينا تمويل النمو”. ويرى المحافظ أن الأسس الاقتصادية باتت أكثر صلابة، وأن السيولة في النظام المصرفي متوفرة، وأن إمكانات تونس لا تزال كبيرة. ويكمن التحدي في حشد المدخرات ورأس المال والثقة لتحويل الانتعاش الاقتصادي الكلي إلى استثمار وتوظيف وتنمية مستدامة.
