أخبار 🇹🇳

هل أصبحت البنوك أقوى من الدولة بتونس؟

بنوك عربية

هل البنوك أقوى من الدولة أم أن الأزمة أعمق؟

كلما اشتدت الضغوط الاقتصادية في تونس، عاد إلى الواجهة سؤال يثير كثيراً من الجدل: هل أصبحت البنوك أقوى من الدولة؟ ويزداد هذا التساؤل مع تشدد شروط التمويل، وصعوبة الحصول على القروض، وتنامي الدور الذي تلعبه المؤسسات المصرفية في تمويل الاقتصاد والمالية العمومية.

ورغم أن هذا الطرح يتردد بكثافة في النقاشات العامة وعلى منصات التواصل الاجتماعي، فإن الواقع الاقتصادي يكشف عن صورة أكثر تعقيداً من مجرد صراع بين الدولة والقطاع البنكي.

سيولة مرتفعة خارج البنوك

تشير أحدث البيانات النقدية إلى أن قيمة الأوراق النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي تجاوزت 29.6 مليار دينار، وهو أعلى مستوى تشهده تونس منذ أعوام.

ورغم ضخامة هذا الرقم، فإن البنوك التجارية تواصل الاعتماد على إعادة التمويل من البنك المركزي التونسي لتغطية احتياجاتها من السيولة، ما يطرح مفارقة واضحة: كيف تتوافر السيولة في الاقتصاد بينما تعاني المصارف من نقصها؟

اختلال في دوران السيولة

يرى مختصون أن المشكلة لا تتمثل في نقص الأموال داخل الاقتصاد، بل في ضعف عودتها إلى القنوات المصرفية.

فجزء مهم من الكتلة النقدية يبقى خارج المنظومة البنكية، سواء داخل الاقتصاد غير المنظم أو في شكل اكتناز نقدي، وهو ما يقلص حجم الودائع المتاحة لدى المصارف ويحد من قدرتها على تمويل الأسر والمؤسسات.

وبالتالي، فإن وفرة النقد خارج البنوك لا تعني بالضرورة تحسن السيولة داخل النظام المالي، بل قد تعكس ضعف الثقة في التعاملات المصرفية واتساع الاقتصاد الموازي.

لماذا تبدو البنوك صاحبة النفوذ؟

تستمد البنوك نفوذها من موقعها المحوري في الدورة الاقتصادية، فهي تمول المؤسسات والأفراد، وتدير جزءاً كبيراً من المدخرات الوطنية، كما تعد الممول الرئيسي للدولة عبر الاكتتاب في سندات الخزينة.

هذا الدور يجعل قراراتها الائتمانية مؤثرة بشكل مباشر في الاستثمار والاستهلاك والنمو الاقتصادي، الأمر الذي يرسخ لدى شريحة من الرأي العام الانطباع بأنها تمتلك سلطة تتجاوز حجمها الحقيقي.

الدولة صاحبة القرار السيادي

رغم هذا الثقل الاقتصادي، تبقى الدولة صاحبة السلطة التشريعية والتنظيمية على القطاع المالي.

فالبنوك تعمل وفق القوانين التي تضعها السلطات العمومية، وتخضع لرقابة البنك المركزي التونسي، ولا تملك صلاحيات تتجاوز الإطار القانوني المنظم لنشاطها.

غير أن اعتماد الدولة على الجهاز البنكي في تمويل جزء من احتياجاتها المالية خلق علاقة تشابك متبادل، تجعل الطرفين في حالة اعتماد مستمر، دون أن يعني ذلك تفوق أحدهما على الآخر.

لماذا يتزايد الشعور بقوة البنوك؟

يعزو اقتصاديون هذا الانطباع إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها:

  • تشدد شروط منح القروض.
  • ارتفاع كلفة التمويل.
  • تباطؤ تمويل الاقتصاد الحقيقي.
  • محدودية مصادر التمويل البديلة.
  • اتساع الاقتصاد غير المنظم.
  • تراجع ثقة جزء من المواطنين في النظام المالي.

هذه المعطيات تجعل المواطن يشعر بأن قرار المؤسسة البنكية قد يكون أكثر تأثيراً على نشاطه الاقتصادي من أي عامل آخر.

قوة مالية لا تعني سلطة سيادية

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن الخلط بين القوة المالية والسلطة السيادية هو أصل هذا الجدل.

فالدولة تحتكر أدوات السيادة من تشريع وتنظيم وجباية، بينما تمتلك البنوك أدوات التأثير المالي من خلال إدارة الائتمان والسيولة، وهما وظيفتان أساسيتان في أي اقتصاد حديث.

الخلاصة

القول إن البنوك في تونس أصبحت “أقوى من الدولة” لا يستند إلى أساس اقتصادي أو قانوني دقيق، لكنه يعكس حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل شح السيولة داخل الجهاز البنكي، واتساع الاقتصاد الموازي، واعتماد المالية العمومية على التمويل المصرفي.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام السلطات التونسية هو استعادة السيولة إلى المنظومة الرسمية، وتعزيز الثقة في القطاع البنكي، وتوسيع مصادر التمويل بما يدعم الاستثمار والنمو ويعيد التوازن إلى العلاقة بين الدولة والجهاز المصرفي.

مواضيع ذات صلة

الجزائر المركزي يضع حدا للفوائد المفرطة على القروض

Nesrine Bouhlel

31 مليار درهم التمويل التشاركي للسكن بالمغرب بداية 2026

Nesrine Bouhlel

700 مليون يورو من الأوروبي للاستثمار لإقتصاد المغرب خلال 2026

Nesrine Bouhlel