البنوك الأوروبية تراهن بحذر على تمويل الذكاء الاصطناعي

بنوك عربية

تسعى البنوك الأوروبية الكبرى إلى اقتناص فرص التمويل التي أوجدتها طفرة الذكاء الاصطناعي عالمياً، لكنها في الوقت نفسه تتبنى استراتيجية حذرة تهدف إلى تقليص المخاطر المرتبطة بالقطاع، عبر نقل جزء من التعرض الائتماني إلى المستثمرين بدلاً من الاحتفاظ به داخل ميزانياتها.

ويأتي هذا التوجه في وقت تتسارع فيه استثمارات شركات التكنولوجيا العملاقة في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يفتح سوقاً ضخمة أمام المؤسسات المالية، لكنه يثير أيضاً تساؤلات حول استدامة هذا الإنفاق الضخم.

وحسب تقرير أوردته بلومبيرغ كان سوسيتيه جنرال من بين أوائل البنوك الأوروبية التي كشفت حجم انكشافها المباشر على تمويل البنية التحتية لمراكز البيانات، والذي يبلغ نحو 7.7 مليارات يورو (8.8 مليارات دولار)، بالتزامن مع إتمام صفقة لتحويل جزء من مخاطر تمويل مشاريع تتجاوز قيمتها خمسة مليارات دولار إلى مستثمرين، في خطوة تهدف إلى تخفيف العبء على ميزانيته.

ولم يكن البنك الفرنسي الوحيد الذي اتجه إلى هذا الأسلوب، إذ تعمل بنوك مثل “بي بي في إيه” الإسباني وآي إن جي الهولندي على نقل جزء من مخاطر القروض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عبر صفقات تجمع محافظ متنوعة من الأصول، ما يمنحها مرونة أكبر لمواصلة تمويل القطاع.

أما “بي إن بي باريبا”، فأكد أنه يسعى للاستفادة مما وصفه بـ”الدورة الاستثمارية الفائقة” للإنفاق على الذكاء الاصطناعي، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة توخي الحذر في اختيار المشاريع والعملاء.

وقال المدير المالي للبنك لارس ماشينيل إن الطلب على التمويل قوي للغاية، إلا أن البنك يراقب المخاطر عن كثب، مضيفاً أن المؤسسة مستعدة لدعم القطاع دون التخلي عن معاييرها الائتمانية الصارمة.

وترتكز ثورة الذكاء الاصطناعي على استثمارات غير مسبوقة في الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات، إذ تشير تقديرات بنك أوف أميركا إلى أن أكبر أربع شركات أميركية في مجال الحوسبة السحابية تخطط لإنفاق أكثر من 700 مليار دولار على النفقات الرأسمالية خلال العام الحالي. لكن هذا الزخم ترافق مع تحذيرات من جهات رقابية ومؤسسات مالية بشأن المخاطر المحتملة إذا تباطأ العائد على هذه الاستثمارات أو تراجعت وتيرة الإنفاق، الأمر الذي قد ينعكس على النمو الاقتصادي والأسواق المالية.

وبحسب تقديرات بلومبيرغ إنتليجنس، فإن بنوك وول ستريت فضلت حتى الآن لعب دور الوسيط في إصدار السندات وتمويل الأسواق الرأسمالية، بدلاً من الاحتفاظ بحصص كبيرة من القروض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ لا تتجاوز انكشافاتها المباشرة ما بين 1% و1.5% من إجمالي القروض المتعلقة بمراكز البيانات والعقارات التجارية والبرمجيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تبدو البنوك الأوروبية أكثر استعداداً لزيادة حضورها في هذا السوق، مع التركيز على تمويل الشركات الكبرى ذات النماذج التشغيلية المستقرة والتدفقات النقدية المتنوعة، بدلاً من الشركات الناشئة التي تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي.

وكشف سوسيتيه جنرال أن نحو 70% من انكشافه في هذا القطاع يرتبط بشركات الحوسبة السحابية العملاقة، مثل خدمات أمازون (Amazon Web Services) ومنصة مايكروسوفت أزور (Microsoft Azure)، وهي شركات تتمتع بملاءة مالية قوية تقلل مخاطر التعثر.

وتعتمد البنوك بشكل متزايد على آلية تعرف باسم التحويلات الجوهرية للمخاطر (Significant Risk Transfers)، والتي تتيح لها تأمين جزء من محافظ القروض ضد الخسائر المحتملة، مقابل نقل جزء من المخاطر إلى مستثمرين يحصلون في المقابل على عوائد مرتفعة قد تتجاوز 10%.

وعادة ما تغطي هذه الصفقات ما بين 5% و15% من قيمة المحافظ الائتمانية، ما يسمح للبنوك بتحرير رأس المال، وزيادة قدرتها على منح قروض جديدة، أو تمويل عمليات استحواذ، أو تعزيز توزيعات الأرباح للمساهمين. ولا يقتصر استخدام هذه الآلية على أوروبا، إذ تدرس بنوك مثل تورونتو-دومينيون ورويال بنك أوف كندا تنفيذ صفقات مماثلة مرتبطة بتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

من جهته، أوضح دويتشه بنك أن انكشافه على القطاع لا يزال ضمن الحدود المقبولة، مؤكداً أن البنك يركز على تمويل كبار المطورين والشركات ذات الأنشطة المتنوعة، وليس الشركات الصغيرة التي يعتمد نشاطها بالكامل على الذكاء الاصطناعي أو تقنية واحدة.

منشورات ذات علاقة

الاتحاد الأوروبي يناقش عقوبات تستهدف البنوك الروسية

إصلاح البنوك الجزائرية يواجه تحديات هيكلية

الإسلامي للتنمية ينظم تدريبا لليبيا المركزي