أخبار أخبار عالمية بنوك بيانات مالية تقارير و دراسات فعاليات مسؤولية إجتماعية 🇸🇩

67 مليار دولار ديون السودان الخارجية

بنوك عربية

ملخص

تشكل ديون السودان الخارجية التي بلغت 67 مليار دولار نموذجاً كلاسيكياً لأزمة مديونية مركبة، يتجاوز فيها عبء الفوائد والغرامات أصل الدين ذاته. ومستقبل ديون البلاد لن يُحسم مالياً فقط، بل سيتحدد في ساحة التوازنات الجيوسياسية وإعادة تشكيل الدولة نفسها، حيث تصبح الديون أداة لإعادة تعريف موقع السودان في النظام العالمي أكثر من كونها مجرد التزام مالي قابل للتسوية.

;تمتد جذور هذه المعضلة إلى ما قبل الاستقلال لكنها تبلورت بصورة أوضح منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي.

تتشابك الأخطار الاقتصادية مع التعقيدات في السودان، في ظل الأزمة مستمرة منذ إبريل (نيسان) عام 2023، وتراكم اختلالات موروثة عبر عقود. وفي ظل هذا الوضع، بحث وفد سوداني السبت الماضي مع مسؤولي مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في سبل استعادة الشراكة المؤسسية، بوصفها رافعة أساسية لتمويل برامج إعادة الإعمار وتسريع مسار إعفاء الديون الخارجية.

هذا اللقاء الذي انعقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن العاصمة الأمريكية، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الذي تتقاطع فيه اعتبارات الاستقرار الداخلي مع محددات النظام المالي الدولي وشروطه.

تشير بيانات بنك السودان المركزي إلى أن إجمال الدين الخارجي بلغ نحو 67 مليار دولار بنهاية عام 2023، بينما لا يتجاوز أصل الدين 33 مليار دولار، مما يعكس أن جزءاً كبيراً من العبء الحالي ناتج من تراكم الفوائد والتأخير. وتشكل ديون السودان الخارجية نموذجاً كلاسيكياً لأزمة مديونية مركبة، يتجاوز فيها عبء الفوائد والغرامات أصل الدين نفسه. فحوالى نصف هذا الدين تراكم نتيجة فوائد تأخيرية وتعاقدية، مما يعكس خللاً مزمناً في إدارة المالية العامة، إلى جانب العزلة الدولية التي فاقمت كلفة التمويل وأضعفت فرص إعادة الجدولة الميسرة.

منى 1.png

-التحولات السياسية منذ أكتوبر/ تشرين الأول عام 2021 أدت إلى تجميد مسار الإعفاء وتعليق منح وقروض حيوية-

وعلى رغم أن السودان كان قد أحرز تقدماً ملحوظاً ببلوغه “نقطة القرار” ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك)، فإن التحولات السياسية منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2021 أدت إلى تجميد مسار الإعفاء وتعليق منح وقروض حيوية، بما في ذلك حزمة البنك الدولي البالغة حوالى ملياري دولار، وهنا تتجلى بوضوح طبيعة العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد، إذ لا تدار ملفات الديون فقط بمعايير فنية، بل تخضع أيضاً لاعتبارات الحوكمة والشرعية السياسية.

في هذا الإطار يكتسب تحرك الوفد السوداني أهمية مضاعفة، إذ يسعى إلى إعادة بناء الثقة مع الشركاء الدوليين، وفتح نافذة لعودة التمويلات الميسرة الضرورية لإعادة تأهيل البنى التحتية وتحفيز القطاعات الإنتاجية، غير أن هذا المسار يظل رهيناً بتوازنات دولية معقدة، وبقدرة السودان على استكمال الإصلاحات الهيكلية وتوفير بيئة سياسية واقتصادية مستقرة، بما يعيد إدماجه تدريجياً في النظام المالي العالمي.

اختلالات هيكلية

تمتد جذور أزمة ديون السودان إلى ما قبل الاستقلال، لكنها تبلورت بصورة أوضح منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، حين بدأ الدين الخارجي عند نحو ملياري دولار عام 1958، قبل أن يدخل مساراً تصاعدياً طويل الأمد مدفوعاً بالاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، وضعف الدولة التنموية، وتكرار دورات عدم الاستقرار السياسي. وعلى رغم إطلاق خطط تنموية منذ أربعينيات القرن الـ20 بهدف تنويع الاقتصاد وتحسين مستويات المعيشة، فإن ضعف التنفيذ وغياب الاستقرار، خصوصاً مع اندلاع الأزمة الأهلية الأولى عام 1955، أعاق تحقيق هذه الأهداف، وأسس لنمط من “التنمية المتعثرة” المرتبطة بالاقتراض الخارجي.

خلال العقود اللاحقة، تعمق ما يمكن وصفه بـ”فخ الديون”، إذ لم يعد الاقتراض موجهاً لتعزيز الإنتاج، بل لسد فجوات مالية متراكمة، في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع الإيرادات. ونتيجة لذلك، تضخم الدين إلى أكثر من 51 مليار دولار بحلول عام 2019، مع الإشارة إلى أن الجزء الأكبر من هذا التراكم يعود إلى الفوائد التأخيرية، ما يعكس عجزاً هيكلياً في السداد وإعادة الهيكلة، كما أن العقوبات الاقتصادية، منذ عام 1997، قيدت وصول السودان إلى التمويل الميسر، وفاقمت كلفة الدين وعزلته عن النظام المالي الدولي.

منى 4.png

-بحث وفد سوداني مع مسؤولي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي سبل استعادة تمويل برامج إعادة الإعمار وتسريع مسار إعفاء الديون الخارجية (مواقع التواصل)-

يمثل انفصال جنوب السودان عام 2011 نقطة مفصلية في تعقيد أزمة الديون، إذ فقد السودان نحو 75 % من عائداته النفطية، ما أضعف قدرته على خدمة الدين. وعلى رغم اتفاق غير رسمي على تحمل السودان كامل الدين الخارجي مقابل دعم دولي للإعفاء، فإن الواقع أظهر استمرار تراكم الالتزامات، إذ أضيف نحو 10 مليارات دولار بعد الانفصال، معظمها فوائد. وتشير تقديرات إلى أن رصيد الديون عند الانفصال بلغ نحو 40 مليار دولار، مع تحميل كل من السودان ودولة جنوب السودان ما يقارب أربعة مليارات دولار كحصة من الفوائد المتراكمة، بينما تتراوح تقديرات ديون جنوب السودان بين ثمانية و32 مليار دولار.

وأوضح الباحث الاقتصادي محمد جبريل حاج أن هيكل الدين السوداني يغلب عليه الطابع السيادي العام، “مع اعتماد كبير على الدائنين الثنائيين، ولا سيما السعودية والكويت والصين، إلى جانب المؤسسات متعددة الأطراف التي تضطلع بدور حاسم في توجيه مسارات إعادة الهيكلة وشروط الإعفاء ضمن سياقات معقدة”، وأشار حاج إلى أن أكثر من 95 في المئة من الدين مستحق لدائنين خارج “نادي باريس”، مع تراكم متأخرات منذ عام 2011، بينما فاقمت الأزمة والانفصال تدهور الاستدامة المالية، في ظل تراجع الإيرادات واتساع الفقر وخسائر اقتصادية كبيرة، إذ خسر الاقتصاد نحو سبعة مليارات دولار عام 2023، مما قوّض القاعدة الضريبية وأضعف قدرة الدولة على إدارة الدين أو التفاوض في شأنه.

واقع معقد

إلى ذلك أكد وزير المالية جبريل إبراهيم، في مفاوضات واشنطن العام الماضي أن “معالجة الديون الخارجية تمثل أولوية في تلك المفاوضات”، باعتبارها شرطاً أساسياً لاستعادة التمويل التنموي، غير أن هذه الجهود اصطدمت بواقع سياسي معقد، إذ تربط المؤسسات الدولية استئناف الإعفاءات بوجود “حكومة مدنية ذات مصداقية”، مما يجعل ملف الدين رهينة للبنية السياسية الداخلية.

منى 5.png

-تمتد جذور أزمة ديون السودان إلى ما قبل الاستقلال (مواقع التواصل)-

وأفاد الأكاديمي والمحلل الاقتصادي محمد الناير بأن ملف الديون السودانية يكتسب طابعاً معقداً ومتشابكاً، مشيراً إلى أن الفارق الكبير بين حجم الدين العام وأصل الدين يُعزى إلى تراكم الفوائد والجزاءات، مما أدى إلى تضخم العبء المالي بصورة لافتة، وأضاف أن الأعباء السنوية التي تضاف إلى أصل الدين تتراوح ما بين 1.5 إلى ملياري دولار، الأمر الذي يفاقم من صعوبة المعالجة ويجعل مسار السداد أكثر تعقيداً مع مرور الزمن. وأوضح الناير أن السودان كان مؤهلاً للاستفادة من مبادرة إعفاء الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك)، مشيراً إلى أن البلاد استوفت الشروط الفنية المطلوبة، إلا أن عوامل سياسية حالت دون تحقيق الاستفادة المرجوة من هذه المبادرة، مما حرم السودان من فرصة حقيقية لتخفيف أعبائه المالية.

وعن مشاركة السودان في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لفت الناير إلى أن الحضور في مثل هذه المحافل الدولية يظل ذا أهمية استراتيجية، غير أنه شدد على أن تجربة السودان مع مؤسسات “بريتون وودز” لم تكن إيجابية في مجملها، وبيّن أن هذه المؤسسات غالباً ما تتبنى توجهات لا تتسق مع المصالح الوطنية السودانية، مستشهداً برد وزارة الخزانة الأميركية على مطالب الوفد السوداني، والذي تمثل في وضع شروط تتعلق بإيقاف الأزمة وتشكيل حكومة مدنية، إلى جانب اشتراطات أخرى.

أضاف أن هذه الشروط يمكن النظر إليها كمؤشرات قابلة للتحقق في حال تنفيذ البرنامج المقدم للأمم المتحدة من قبل القيادة السودانية، والذي يتضمن، من بين بنوده، تجميع قوات “الدعم السريع” في معسكرات محددة، وأكد أن تحقيق هذه الاشتراطات يمثل مدخلاً أساسياً لأي تقدم في العلاقة مع المؤسسات الدولية، وإلا ستظل التحديات قائمة.

وأشار الناير إلى أن هيمنة الولايات المتحدة على المؤسسات المالية الدولية تجعلها أداة لتمرير أجنداتها، الأمر الذي يفرض على السودان إعادة النظر في توجهاته الخارجية، وختم بالإشارة إلى أن النموذج الغربي في التعامل مع الدول النامية يتسم بالتدخل في الشؤون الداخلية، في حين يركز النموذج الصيني ومجموعة “بريكس” على المصالح الاقتصادية من دون تدخل سياسي، مرجحاً أن يكون لهذا التوجه الأخير دور متنامٍ في المنطقة، مع ضرورة استمرار السودان في السعي لإعفاء ديونه وتعزيز حضوره في المؤسسات المالية الدولية، بغض النظر عن محدودية النتائج المتوقعة.

تحديات متداخلة

تواجه معالجة أزمة الديون في السودان اليوم مجموعة معقدة من التحديات المتداخلة التي تجعلها أقرب إلى أزمة بنيوية وليست مجرد ملف مالي قابل للحل التقني. في قلب هذه التعقيدات يقف عامل الأزمة المستمرة، التي أدت إلى انهيار فعلي في الاقتصاد، مع تراجع الناتج المحلي، وتوقف سلاسل الإنتاج، وانكماش الإيرادات العامة، مما جعل خدمة الدين أو حتى التفاوض بشأنه عملياً شبه متعذر.

أول التحديات يتمثل في الانهيار المؤسسي والمالي الداخلي، فغياب سلطة مالية مركزية فاعلة يعرقل أي خطة لإعادة هيكلة الدين أو الالتزام بشروط المؤسسات الدولية. وأدىت الأزمة إلى تدمير البنية التحتية الإنتاجية، خصوصاً في الزراعة والخدمات، وهي القطاعات التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد، مما يحد من قدرة الاقتصاد على توليد فوائض قابلة لتحمل الديون.

ثانياً، هناك تحدي الاستدامة الكلية للدين، إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الدين العام تجاوز 200 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يعني عملياً فقدان القدرة على الاستدامة من دون إعفاء واسع أو إعادة هيكلة جذرية، وهذا الوضع يتفاقم مع توقف خدمة الدين وتراكم المتأخرات، مما يضع السودان في حالة “تعثر ممتد”.

ثالثاً، تبرز المعضلة السياسية المرتبطة بالشرعية والاستقرار، إذ تربط المؤسسات المالية الدولية استئناف برامج الإعفاء والإقراض بوجود حكومة مدنية مستقرة. هذا الشرط يجعل ملف الديون رهيناً لمسار التسوية السياسية الداخلية، ويحوّله إلى أداة ضغط في الصراع على السلطة.

رابعاً، هناك تشابك مع علاقات السودان الخارجية، إذ يعتمد هيكل الدين على دائنين ثنائيين ومتعددي الأطراف، مع غياب تنسيق فعال بينهم، ما يعقد أي عملية إعادة هيكلة شاملة، إضافة إلى أن تراجع الثقة الدولية بعد عام 2021 والعقوبات السابقة حدّا من تدفق التمويل الميسر، وأدخلا السودان في عزلة مالية نسبية.

خامساً، تمثل الهشاشة التنموية و”فخ النمو المنخفض” عائقاً طويل الأمد، إذ يعتمد الاقتصاد على صادرات أولية منخفضة القيمة المضافة، مع ضعف في التصنيع والتكنولوجيا، مما يحد من إمكانات النمو المستقبلي الضروري لسداد أي دين مُعاد هيكلته.

وتكشف أزمة الديون في السودان عن تفاعل ثلاثي معقد بين الأزمة والنظام المالي الدولي، إذ لا يمكن فصل الحلول الاقتصادية عن التسويات السياسية والأمنية، ولا يمكن إعادة إدماج السودان مالياً من دون إعادة بناء الدولة نفسها أولاً.

سيناريوهات محتملة

تتشكل أزمة ديون السودان الخارجية كمسار مفتوح على احتمالات متعددة لا يمكن حصرها في حلول تقليدية. ويمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسة، يعكس كل منها توازناً مختلفاً سياسياً واقتصادياً وجيوسياسياً.

السيناريو الأول، يفترض نجاح السودان في استعادة مسار مبادرة “هيبك”، بما يؤدي إلى شطب أو إعادة هيكلة جزء كبير من الدين، غير أن تحقق هذا السيناريو مرهون بشرطين، استقرار سياسي نسبي، وتوافق دولي حول شرعية السلطة. في هذه الحالة، يمكن أن يستعيد السودان تمويلاً تنموياً جديداً، لكن ضمن رقابة مشددة وإصلاحات هيكلية طويلة الأمد، مما يجعله “تعافياً مشروطاً” لا انفراجاً كاملاً.

السيناريو الثاني، تسوية الدين بالتنمية عبر أصول الموارد، ويقوم على إنشاء آلية مثل “صندوق عائدات النفط والمعادن” تُستخدم فيه إيرادات الذهب أو النفط أو التعدين لخدمة الدين وإعادة جدولته، بالتنسيق مع دولة جنوب السودان. هذا السيناريو يعكس نموذج “التمويل المضمون بالموارد”، وقد يتوسع ليشمل شراكات مع الصين أو قوى آسيوية عبر آليات مثل نظام “البناء والتشغيل ونقل الملكية”BOT  غير أن أخطاره تكمن في إعادة إنتاج التبعية للموارد وفقدان السيطرة السيادية على القطاعات الاستراتيجية.

أما السيناريو الثالث، فهو إعادة توزيع الدين وإعادة تموضع جيوسياسي، ويفترض هذا المسار، كخيار اضطراري، تقسيم الدين بين السودان ودولة جنوب السودان وفق معايير مثل القدرة المالية أو الاستفادة التاريخية أو التوزيع الجغرافي. وهو سيناريو شديد التعقيد سياسياً وقانونياً، لكنه قد يُطرح إذا تعثرت كل محاولات الإعفاء. ضمن هذا السياق، قد يتجه السودان نحو “تحالفات تمويل بديلة” مع الصين وروسيا والهند والبرازيل، بما يشمل قروضاً تنموية مقابل التعدين أو البنية التحتية، أو التعامل باليوان ضمن منظومات مالية موازية، مما يعكس انتقالاً نحو الشرق في التمويل الدولي.

تكشف هذه السيناريوهات أن مستقبل ديون السودان لن يُحسم مالياً فقط، بل سيتحدد في ساحة التوازنات الجيوسياسية وإعادة تشكيل الدولة نفسها، إذ تصبح الديون أداة لإعادة تعريف موقع السودان في النظام العالمي أكثر من كونها مجرد التزام مالي قابل للتسوية.

أخبار ذات صلة:

مواضيع ذات صلة

البنوك السودانية تثبت أسعار الصرف اليوم

Nesrine Bouhlel

510 ألف دولار من الإفريقي للتنمية للشمول التأميني بالمغرب

Nesrine Bouhlel

موريتانيا تحقق طفرة رقمية في قطاعها المالي

Nesrine Bouhlel