بنوك عربية
أصدر بنك الجزائر المركزي تعليمة جديدة تشدد شروط تمويل عمليات استيراد السلع الموجهة لإعادة البيع على الحالة عبر إلزام البنوك والوسطاء المعتمدين بتقييم الوضعية المالية للمستوردين قبل منح أي توطين بنكي. ووضع سقف واضح لقيمة العمليات غير المسددة، في خطوة تستهدف ضبط التجارة الخارجية وتقوية الرقابة على استعمال الموارد المالية في عمليات الاستيراد.
وتحمل التعليمة رقم 05-2026، المؤرخة في 19 مايو 2026، والموقعة من محافظ بنك الجزائر محمد لمين لبو، عنوانًا يتعلق بتحديد متطلبات الساحة المالية المرتبطة بعمليات استيراد السلع الموجهة لإعادة البيع على الحالة. وتستند التعليمة التي تحوز تادامسا نيوز على نسخة منها إلى أحكام المادة/ 42/ من النظام رقم 01-1428 المؤرخ في 15 محرم 1428 الموافق 03 فيفري 2007، المنظم للقواعد المطبقة على المعاملات الجارية مع الخارج والحسابات بالعملة الصعبة.
كما تضع التعليمة الجديدة مسؤولية مباشرة على عاتق البنك الموطن، إذ تنص على أنه قبل أي توطين بنكي لعملية استيراد سلع موجهة لإعادة البيع على الحالة، يجب التأكد مسبقًا من الوضعية المالية للمتعامل الاقتصادي المعني، بما يعني أن التوطين لم يعد إجراءً شكليًا أو تلقائيًا، بل أصبح مشروطًا بقدرة مالية مثبتة ومطابقة لمعايير محددة.
وتلزم المادة الثالثة من التعليمة البنوك بالتأكد، قبل القيام بأي عملية توطين، من أن الأصول الصافية للمتعامل الاقتصادي تساوي أو تفوق رأس ماله الاجتماعي. وذلك استنادًا إلى القوائم المالية المصرح بها جبائيًا والمغلقة للعام المالي المعن. أما بالنسبة للمتعامل الاقتصادي حديث التأسيس، فيمكن للبنك الموطن الاعتماد على ميزانية افتتاحية أو وضعية مالية مرحلية مؤشر عليها من محافظ الحسابات.
هذا ويعني هذا الشرط أن بنك الجزائر يدفع البنوك إلى ربط تمويل الاستيراد بسلامة المركز المالي للمستورد، من خلال قياس الأصول الصافية ومقارنتها برأس المال، بدل الاكتفاء بملف إداري أو طلب توطين. ومن شأن هذا التوجه أن يحد من دخول متعاملين بملاءة ضعيفة إلى عمليات استيراد تفوق قدراتهم المالية الفعلية.
سقف 100 % والتصريح البنكي
كما تضع التعليمة سقفًا واضحًا لحجم عمليات الاستيراد المفتوحة، إذ تنص المادة الرابعة على أنه يجب ألا تتعدى القيمة الإجمالية لعمليات استيراد السلع الموجهة لإعادة البيع على الحالة، والموطنة لدى مجموع البنوك الوسطاء المعتمدين، نسبة 100% من الأموال الخاصة للمتعامل الاقتصادي بعد خصم مبلغه منها.
حسب خبراء المالية تكمن أهمية هذا الإجراء في أنه يمنع تراكم عمليات استيراد غير مسددة لدى عدة بنوك بما يتجاوز قدرة المؤسسة المالية الحقيقية. فالمستورد لم يعد بإمكانه توزيع عمليات التوطين على أكثر من بنك دون احتساب إجمالي التزاماته، لأن السقف الجديد يُحتسب على أساس مجموع العمليات المفتوحة لدى جميع البنوك.
ولتطبيق هذا السقف، ألزمت المادة الخامسة البنك الوسيط المعتمد بأن يطلب من المتعامل الاقتصادي، قبل أي توطين بنكي، تصريحًا وفق النموذج الملحق بالتعليمة، يبيّن فيه الأرصدة القائمة الخاصة بعمليات استيراد السلع الموجهة لإعادة البيع على الحالة، الموطنة لدى البنوك الوسطاء المعتمدين الآخرين.
كما يتضمن الملحق المرفق بالتعليمة نموذج تصريح يقدمه المتعامل الاقتصادي، يشمل اسمه أو صفته، التسمية الاجتماعية، اسم البنك، والرصيد الحالي بالدينار الجزائري، مع احتساب المجموع. وبهذا، يصبح المستورد مطالبًا بالتصريح بحجم التزاماته المفتوحة في البنوك الأخرى، قبل الحصول على توطين جديد.
وتعتبر التعليمة عملية الاستيراد مسددة فقط عندما يقوم البنك الموطن بالخصم النهائي من حساب المتعامل الاقتصادي لقيمة العملية. وهذا التعريف مهم لأنه يغلق المجال أمام اعتبار العملية منتهية بمجرد فتح ملف أو بدء إجراءات الدفع، إذ لا تعد مسددة إلا بعد الاقتطاع النهائي للقيمة من حساب المستورد.
وفي المقابل، استثنت المادة السابعة السلع التي تم شحنها قبل صدور التعليمة من نطاق تطبيق هذه الإجراءات، بما يسمح بعدم التأثير على العمليات التي كانت قد دخلت فعليًا مرحلة الشحن قبل تاريخ 19 ماي 2026. كما نصت المادة الثامنة على دخول التعليمة حيز التنفيذ ابتداءً من تاريخ توقيعها.
تشديد رقابة الاستيراد التجاري
هذا وتحمل التعليمة الجديدة دلالة واضحة في اتجاه تشديد الرقابة على استيراد السلع الموجهة لإعادة البيع على الحالة. وهي فئة من العمليات التي ترتبط عادة بالاستيراد التجاري للمنتجات الجاهزة. ومن خلال ربط التوطين البنكي بقدرة مالية مثبتة، تسعى السلطة النقدية إلى تقليص المخاطر المرتبطة بتضخم الالتزامات، وتحسين تتبع التمويلات، ومنع تجاوزات قد تنشأ عن فتح عمليات متعددة لدى بنوك مختلفة.
كما أن اشتراط التصريح بالأرصدة القائمة لدى جميع البنوك يمنح الجهاز المصرفي رؤية أشمل حول التزامات المستوردين. ويقلص هامش استعمال أكثر من وسيط بنكي لتوسيع حجم الاستيراد فوق القدرة المالية الفعلية للمتعامل. وبذلك، تتحول البنوك إلى خط رقابة أول في ضبط عمليات الاستيراد، وليس فقط قناة إدارية للتوطين والدفع.
وتأتي هذه التعليمة في سياق توجه أوسع نحو تنظيم التجارة الخارجية، وحماية التوازنات المالية. وضبط استعمال العملة الصعبة في عمليات الاستيراد، خاصة بالنسبة للسلع الموجهة لإعادة البيع دون تحويل صناعي محلي. فكل عملية استيراد في هذه الفئة أصبحت مشروطة بملاءة مالية. وبسقف مرتبط بالأموال الخاصة، وبإفصاح مسبق عن الالتزامات المفتوحة.
كما يمكن أن يفرض القرار على المتعاملين الاقتصاديين إعادة ترتيب وضعياتهم المالية. وتقوية رؤوس أموالهم، وتحسين شفافية قوائمهم المحاسبية والجبائية، لأن القدرة على الاستيراد ستصبح مرتبطة مباشرة بالمركز المالي المصرح به. لا فقط بالطلب التجاري أو العلاقات مع الموردين الخارجيين.
هذا وتؤسس تعليمة بنك الجزائر رقم 05-2026 لمرحلة أكثر صرامة في تمويل استيراد السلع الموجهة لإعادة البيع على الحالة. فبين تقييم الوضعية المالية للمستورد، واشتراط أن تكون الأصول الصافية مساوية أو أكبر من رأس المال الاجتماعي، ومنع تجاوز العمليات غير المسددة نسبة 100 بالمائة من الأموال الخاصة. وإلزام المتعاملين بالتصريح بالتزاماتهم لدى البنوك الأخرى، ينتقل التوطين البنكي إلى مستوى أعلى من الرقابة المالية. بما يجعل الاستيراد التجاري مرتبطًا بقدرة مالية مثبتة وبشفافية أكبر في التعامل مع البنوك.
