بنوك عربية
تقليص الاعتماد على “الكاش” أصبح أحد أبرز رهانات الإصلاحات المالية في الجزائر، وبهذا تخطو الجزائر مرحلة جديدة في مسار تقليص الاعتماد على السيولة النقدية وتعزيز ثقافة الدفع الإلكتروني، مدعومة بإصلاحات تنظيمية ومؤشرات نمو غير مسبوقة.
فبعد أعوام من الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتوسيع خدمات الدفع عبر البطاقات البنكية والهواتف الذكية والإنترنت، بدأت الأرقام تعكس تحولًا تدريجيًا في سلوك المستهلكين والمتعاملين الاقتصاديين، وإن كان النقد لا يزال يحتفظ بحصة واسعة من المعاملات اليومية.
ويكشف بلوغ قيمة المدفوعات الإلكترونية المنفذة خلال العام المالي المنقضي 2025 نحو 939 مليار دينار، بزيادة بلغت 46% مقارنة بـ643.8 مليار دينار المسجلة في 2024، عن تسارع واضح في اعتماد وسائل الدفع الحديثة، سواء عبر أجهزة الدفع الإلكتروني لدى التجار، أو عبر الإنترنت، أو من خلال تطبيقات الدفع بواسطة الهاتف النقال.
وجاء هذا النمو في وقت تسعى فيه السلطات النقدية إلى الانتقال من مرحلة تعميم الوسائل الرقمية إلى مرحلة ترسيخ استخدامها في مختلف الأنشطة التجارية والخدمية، بما ينسجم مع أهداف الشمول المالي وتحديث المنظومة المصرفية الوطنية.
وفي هذا السياق، عزز بنك الجزائر هذا المسار بإصدار النظام رقم /26-01/ المؤرخ في 31 مايو 2026، الذي يحدد تنظيم اللجنة الوطنية للدفع وكيفيات سيرها، مانحًا البلاد لأول مرة إطارًا مؤسساتيا دائما يتولى رسم الاستراتيجية الوطنية لتطوير وسائل الدفع الكتابية والإلكترونية، ومتابعة تنفيذها، واقتراح الإصلاحات القانونية والتقنية اللازمة، إلى جانب إعداد تقرير سنوي يقيس مدى تقدم الجزائر في تقليص استعمال النقد الورقي وتوسيع الاعتماد على وسائل الدفع الرقمية.
ولا يقتصر الرهان على تطوير التكنولوجيا المصرفية فحسب، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تجمع مختلف الفاعلين، من بنك الجزائر والقطاع البنكي وبريد الجزائر، إلى القطاعات الوزارية والهيئات الأمنية والمؤسسات المختصة بالنقد الآلي، بهدف توحيد الرؤية بشأن تطوير البطاقات البنكية، والدفع عبر الهاتف والإنترنت، والتحويلات الفورية بين الحسابات، وتعزيز أمن المعاملات الإلكترونية وحماية المستهلك، بما يواكب التحولات العالمية في الاقتصاد الرقمي.
ورغم النمو اللافت الذي تعرفه المدفوعات الإلكترونية، فإن الأرقام تكشف في المقابل استمرار هيمنة السحب النقدي على سلوك الجزائريين، إذ تجاوزت قيمة الأموال المسحوبة من الموزعات الآلية خلال العام المالي المنقضي 2025 أكثر من 4397 مليار دينار، وهو ما يعكس أن امتلاك البطاقات البنكية لم يتحول بعد بالشكل الكافي إلى استعمال يومي للدفع المباشر لدى التجار ومقدمي الخدمات.
ومن هنا تبرز أهمية اللجنة الوطنية للدفع، التي ستكون مطالبة بتحويل ملايين البطاقات والحسابات البنكية والبريدية من مجرد وسيلة للحصول على السيولة إلى أدوات فعلية لتسوية المعاملات التجارية، بما يخفف الضغط على النقد، ويرفع شفافية الاقتصاد، ويحسن كفاءة الدورة المالية في البلاد.
الدفع عبر الإنترنت يقفز 179%… وتوسع متواصل للدفع عبر الهاتف
سجل الدفع عبر الإنترنت أسرع نمو بين مختلف وسائل الدفع الإلكتروني خلال العام المالي الماضي 2025، بعدما ارتفعت قيمته بنسبة 179% لتصل إلى 145 مليار دينار، مع تنفيذ أكثر من 27 مليون معاملة، فيما بلغ النشاط ذروته خلال شهر ديسمبر بتسجيل 3.6 ملايين معاملة بقيمة 65.27 مليار دينار، مدفوعًا بتوسع تسديد الفواتير والخدمات العمومية والرسوم عبر المنصات الرقمية.

وفي السياق ذاته، ارتفع عدد التجار ومقدمي الخدمات المدمجين في منصة الدفع عبر الإنترنت إلى 644 متعاملا بنهاية 2025، بزيادة 134 متعاملًا خلال العام الواحد، ليشمل النظام قطاعات المياه والطاقة والاتصالات والتأمين والنقل والخدمات الحكومية.
كما واصل الدفع عبر الهاتف النقال تسجيل مؤشرات إيجابية، حيث بلغت التحويلات بين الأفراد داخل المؤسسة المالية الواحدة 47.5 مليون عملية، بزيادة 31%، بقيمة إجمالية بلغت 647.4 مليار دينار، فيما وصل عدد عمليات الدفع عبر رمز الاستجابة السريعة QR إلى 69.3 مليون عملية بقيمة 57.3 مليار دينار.
وشهد عام 2025 أيضًا إطلاق خدمة “DZ Mob Pay” للدفع المحمول بين البنوك، حيث بلغ عدد الحسابات الفردية المسجلة 95,014 حسابا، إضافة إلى 14,283 حسابًا تجاريًا، بينما سجل النظام في عامه الأول 12,682 عملية دفع عبر رمز QR و44,369 تحويلًا مباشرا بين الأفراد.
وتؤكد هذه المؤشرات أن منظومة الدفع الرقمي في الجزائر تعرف توسعًا متسارعا، غير أن التحدي المطروح يبقى في تعميم استعمال هذه الوسائل داخل المعاملات التجارية اليومية، وتقليص الاعتماد على السحب النقدي لصالح الدفع الإلكتروني.
من نمو المعاملات الرقمية إلى إعادة تشكيل السلوك الاقتصادي.. هل اقتربت الجزائر من اقتصاد أقل اعتمادا على النقد؟
وأكد الخبير المالي ومدير الوكالة البنكية بالعاصمة عبد الحفيظ مسعودي، أن بلوغ قيمة المدفوعات الإلكترونية في الجزائر 939 مليار دينار خلال العام المالي المنقضي 2025، مقابل 643.8 مليار دينار خلال عام 2024، أي بزيادة تقارب 46 % في ظرف عام واحد، يعد مؤشرا قويا على تسارع التحول الرقمي الذي تعرفه المنظومة المالية الوطنية، غير أن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تقتصر على حجم النمو المسجل، وإنما يجب أن تنطلق من موقع هذه المعاملات داخل الاقتصاد الوطني ومدى قدرتها على تغيير السلوك الاقتصادي للمواطن والمؤسسة.

وأوضح أن هذا التطور يتزامن مع إصدار بنك الجزائر النظام رقم /26-01/ المؤرخ في 31 مايو 2026، المتعلق بتنظيم اللجنة الوطنية للدفع وكيفيات سيرها، تطبيقا لأحكام القانون النقدي والمصرفي رقم /23-09/، وهو ما يمنح لأول مرة إطارا مؤسساتيا موحدا يتولى إعداد استراتيجية وطنية لتطوير وسائل الدفع الكتابية والإلكترونية، ومتابعة تنفيذها، وتقييم نتائجها عبر تقرير سنوي يقيس تطور منظومة الدفع ومدى تراجع الاعتماد على السيولة النقدية.
وأضاف أن السؤال الأساسي اليوم لم يعد يتمثل في حجم المدفوعات الإلكترونية فحسب، بل في معرفة ما إذا كانت الجزائر قد انتقلت فعلا إلى مرحلة الاقتصاد الرقمي، أم أنها لا تزال بصدد بناء الأسس التي تسمح بتحقيق هذا الهدف خلال السنوات المقبلة.
وأشار مسعودي إلى أن الارتفاع المسجل في قيمة المدفوعات الإلكترونية لم يكن نتيجة عامل واحد، وإنما جاء ثمرة تراكم مجموعة من الإصلاحات التقنية والتنظيمية والسلوكية التي شهدها القطاع المالي خلال الأعوام الأخيرة.
وأوضح أن توسع البنية التحتية للدفع الإلكتروني ساهم بشكل مباشر في هذا النمو، من خلال ارتفاع عدد البطاقات البنكية والبريدية، وانتشار أجهزة الدفع الإلكتروني لدى التجار، وتطور خدمات الدفع عبر الإنترنت، إلى جانب توسع الخدمات المصرفية الرقمية وتطوير حلول الدفع بواسطة الهاتف المحمول.
ولفت إلى أن عدد بطاقات الدفع المتداولة في الجزائر بلغ نحو 21.9 مليون بطاقة خلال العام المالي الماضي 2025، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستفيدين من وسائل الدفع الحديثة مقارنة بالأعوام السابقة، كما شهد الدفع عبر الإنترنت تطورا ملحوظا بفضل توسع الخدمات الرقمية للإدارات والمؤسسات العمومية، إلى جانب النمو المتواصل الذي تعرفه التجارة الإلكترونية.
ويرى المتحدث أن التحول الرقمي لم يعد يقتصر على تطوير الوسائل التقنية، بل أصبح يرتبط بتغير تدريجي في سلوك المواطنين والمتعاملين الاقتصاديين.
وأوضح أن انتشار الهواتف الذكية، واتساع استخدام التطبيقات الرقمية، والحاجة إلى خدمات مالية أكثر سرعة ومرونة، كلها عوامل ساهمت في رفع مستوى تقبل المواطنين للتحويلات الرقمية وتسديد الفواتير والخدمات عن بعد، في حين أصبحت المؤسسات تبحث عن وسائل دفع أكثر كفاءة وأمانا وأقل تكلفة من التعامل النقدي التقليدي.
وأضاف أن رقمنة العديد من الخدمات العمومية عززت بدورها هذا التوجه، بعدما أصبح المواطن يعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية لتسديد الرسوم والاستفادة من مختلف الخدمات، وهو ما خلق طلبا متزايدا على وسائل الدفع الإلكترونية.
أرقام إيجابية لكن الوزن داخل الاقتصاد لا يزال محدودا
ورغم أهمية النمو المسجل، شدد مسعودي على ضرورة قراءة هذه المؤشرات في سياقها الاقتصادي الحقيقي، موضحا أن الناتج الداخلي الخام الجزائري يقدر بحوالي 260 مليار دولار خلال عام 2025، أي ما يعادل قرابة 35 ألف مليار دينار جزائري وفق سعر الصرف الرسمي.
وأضاف أن قيمة المدفوعات الإلكترونية البالغة 939 مليار دينار لا تمثل سوى نحو 2.7% من الناتج الداخلي الخام، وهو ما يعني أن مساهمة وسائل الدفع الرقمية في الدورة الاقتصادية لا تزال محدودة نسبيا، رغم التطور المسجل خلال الأعوام الأخيرة.
وأكد أن هذا المؤشر يدل على أن الجزائر قطعت أشواطا مهمة في بناء منظومة الدفع الإلكتروني، لكنها ما تزال بعيدة عن المرحلة التي يصبح فيها الدفع الرقمي مكونا رئيسيا في النشاط الاقتصادي اليومي، خاصة في ظل استمرار هيمنة المعاملات النقدية وارتفاع حجم العملة المتداولة خارج النظام البنكي، وهو ما يعكس استمرار اعتماد المواطنين على النقد كوسيلة رئيسية للتبادل.
وأضاف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفع قيمة المدفوعات الإلكترونية فقط، وإنما في زيادة حصتها من إجمالي المعاملات الاقتصادية اليومية.
وفي معرض مقارنته بالتجارب الإقليمية، أوضح مسعودي أن تونس تعد من أكثر التجارب تقدما نسبيا في مجال الدفع الإلكتروني، رغم أن حجم اقتصادها أصغر من الاقتصاد الجزائري.
وأشار إلى أن بيانات البنك المركزي التونسي لسنة 2024 أظهرت بلوغ قيمة عمليات الدفع بواسطة البطاقات نحو 27.8 مليار دينار تونسي، مع تنفيذ حوالي 163 مليون عملية، بزيادة بلغت 10.6% مقارنة بعام 2023، فضلا عن توفر أكثر من 3300 جهاز للدفع والسحب الآلي، وتسجيل أكثر من خمسة ملايين عملية دفع بواسطة الهاتف المحمول، وهو ما يعكس انتشارا أوسع لاستخدام وسائل الدفع الرقمية في الحياة اليومية.
أما في مصر، فأكد أن التحول الرقمي ارتكز على استراتيجية متكاملة تجمع بين الشمول المالي والتكنولوجيا المالية، حيث تجاوز عدد البطاقات المصرفية 70 مليون بطاقة، وبلغ عدد المحافظ الإلكترونية للهاتف المحمول أكثر من 40 مليون محفظة، بالتزامن مع توسع منظومة الدفع الفوري “إنستاباي” وشبكة نقاط البيع الإلكترونية، بما ساهم في إدماج شرائح واسعة من المواطنين والمؤسسات الصغيرة داخل النظام المالي الرسمي.
وبخصوص ليبيا، أوضح أن مصرف ليبيا المركزي يعمل بدوره على تطوير منظومة الدفع الإلكتروني عبر إصدار بطاقات الدفع، ودعم المحافظ الإلكترونية، وتشجيع الدفع عبر الهاتف المحمول، وتحديث البنية الرقمية، إلا أن الاقتصاد الليبي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النقد، وهو تحد تتقاسمه أغلب الاقتصادات الريعية.
اللجنة الوطنية للدفع انتقال من المبادرات إلى التخطيط المؤسسي
واعتبر مسعودي أن إنشاء اللجنة الوطنية للدفع يمثل نقطة تحول مؤسساتية مهمة، لأنها تنقل ملف الدفع الإلكتروني من مرحلة المبادرات المتفرقة إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي الموحد.
وأوضح أن اللجنة تضم مختلف الفاعلين في المنظومة المالية، من بنك الجزائر المركزي، والبنوك والمؤسسات المالية، وبريد الجزائر، وهيئات الدفع الإلكتروني، والقطاعات الحكومية المعنية، إضافة إلى خبراء مختصين، بما يسمح بتوحيد الرؤية وتنسيق الجهود.
وأشار إلى أن من أبرز مهام اللجنة إعداد استراتيجية وطنية لتطوير وسائل الدفع الحديثة، وتحديد الأولويات والآليات العملية لتوسيع استخدامها، فضلا عن متابعة التنفيذ وقياس النتائج اعتمادا على مؤشرات دقيقة، تشمل عدد المستخدمين، وعدد التجار الذين يعتمدون الدفع الإلكتروني، وقيمة العمليات، ونسبة الاعتماد على النقد، إضافة إلى إعداد تقرير سنوي يقيم مدى تقدم الجزائر في الانتقال من الاقتصاد النقدي إلى الاقتصاد الرقمي.
ويرى الخبير المالي أن وجود إطار قانوني ومؤسساتي يعد خطوة أساسية، لكنه وحده لا يكفي لإنجاح التحول الرقمي، مؤكدا أن نجاح هذه السياسة يتطلب توسيع شبكة قبول الدفع الإلكتروني لدى التجار، حتى يجد المواطن إمكانية استخدام بطاقته في مختلف المعاملات اليومية.
كما شدد على ضرورة تحسين تجربة المستخدم عبر توفير خدمات سهلة وسريعة وآمنة ومتاحة بشكل مستمر، إلى جانب تعزيز الثقة من خلال حماية البيانات الشخصية، ومكافحة الاحتيال الإلكتروني، وتأمين الأنظمة الرقمية.
وأضاف أن إدماج الاقتصاد غير الرسمي يمثل أحد أبرز رهانات المرحلة المقبلة، لأن تقليص الاعتماد على النقد من شأنه تعزيز الشفافية المالية، وتوسيع الوعاء الاقتصادي الرسمي، وتحسين فعالية الدورة الاقتصادية.
الدفع الإلكتروني بوابة حقيقية نحو الشمول المالي
وأكد مسعودي أن الدفع الإلكتروني يعد من أهم أدوات الشمول المالي، لأنه يساهم في إدماج المواطنين والمؤسسات الصغيرة داخل النظام المالي الرسمي، موضحا أن كل شخص يستخدم وسيلة دفع إلكترونية يصبح أكثر قدرة على الاستفادة من خدمات مالية أخرى، مثل الادخار البنكي، والتمويل، والتأمين، والخدمات المصرفية الرقمية.
وأضاف أن استعمال وسائل الدفع الحديثة يمنح البنوك كذلك قدرة أكبر على فهم سلوك العملاء وتطوير منتجات مالية تستجيب لاحتياجاتهم، غير أنه شدد على أن الشمول المالي الحقيقي لا يقاس بعدد الحسابات أو البطاقات المصدرة، وإنما بمدى الاستخدام الفعلي واليومي لهذه الوسائل.
وأكد عبد الحفيظ مسعودي أن بلوغ المدفوعات الإلكترونية 939 مليار دينار خلال عام 2025 يمثل خطوة إيجابية في مسار التحول الرقمي، كما أن إنشاء اللجنة الوطنية للدفع يؤسس لمرحلة جديدة قوامها التخطيط المؤسساتي والمتابعة والتقييم.
غير أنه شدد على أن الرهان الحقيقي يتمثل اليوم في الانتقال من مجرد توفير وسائل الدفع الإلكترونية إلى جعلها جزءا طبيعيا من الحياة الاقتصادية اليومية، مؤكدا أن نجاح الجزائر لن يقاس فقط بارتفاع قيمة المعاملات الرقمية، بل بقدرتها على تقليص الاعتماد على السيولة النقدية، وتعزيز الشمول المالي، وتحويل الرقمنة إلى رافعة للنمو الاقتصادي والشفافية المالية.
