أخبار أخبار عالمية 🇩🇿

85 مادة لضبط تدقيق البنوك والتأمينات والبورصة في الجزائر

بنوك عربية

تدخل مهنة محافظة الحسابات في الجزائر محطة تنظيمية جديدة يوم 09 يونيو/ جويلية، مع عرض أول مدونة أخلاقية رسمية للمهنة على الجمعية العامة غير العادية للغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات، في نص من /85/ مادة يستهدف رفع مستوى الثقة في القوائم المالية، خصوصا داخل البنوك، المؤسسات المالية، شركات التأمين، والشركات المدرجة في البورصة الجزائرية.

وتحمل مدونة الأخلاقيات وقواعد السلوك المهني لمحافظ الحسابات – طبعة 2026 أهمية اقتصادية مباشرة، لأنها لا تكتفي بضبط سلوك المهنيين، بل تعيد ترتيب علاقة محافظ الحسابات بالمؤسسة محل التدقيق، وبالسوق، وبالمستثمرين، وبالجهات الرقابية. فالمدقق الذي يصادق على الحسابات يتحول عمليا إلى حلقة أساسية في منظومة الثقة المالية، وكل ضعف في استقلاليته قد ينعكس على قرارات التمويل، الاستثمار، الجباية، والرقابة.

وتنعقد الجمعية العامة غير العادية يوم 09 يوليو/ جويلية بفندق “الماركير” في الجزائر العاصمة،  حسب الشروق للمصادقة على مشروع المدونة، التي تعد أول مرجع أخلاقي رسمي متكامل للمهنة منذ صدور القانون /10-01/ عام 2010 المتعلق بمهن الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات والمحاسب المعتمد.

ويأتي المشروع في صيغة واسعة تضم 13 بابا، تشمل المبادئ المهنية، الاستقلالية، تحديد التهديدات ومعالجتها، سير مهام التدقيق، الأتعاب، التنافي، استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حماية البيانات، مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، الاستجابة لمخالفات القوانين والتنظيمات، والخدمات الجبائية، إضافة إلى المسؤولية المدنية والجزائية والتأديبية.

تدقيق أكثر صرامة للكيانات الحساسة

أبرز ما يحمله النص الجديد هو تشديد القواعد الخاصة بما يعرف بالكيانات ذات المنفعة العامة، وفي مقدمتها البنوك، المؤسسات المالية، شركات التأمين، والكيانات التي تلجأ إلى الادخار العمومي أو تكون مدرجة في سوق منظمة.

وتفرض المدونة على هذه الفئة مستوى أعلى من الاستقلالية، مع قواعد أوضح للتناوب وفترات الامتناع، بهدف منع تحول العلاقة الطويلة بين محافظ الحسابات والعميل إلى عامل يؤثر في الحياد المهني. كما توسع حالات التنافي لتشمل الأقارب إلى غاية الدرجة الرابعة، والشركاء، والمعاونين، وكل وضعية قد تخلق مصلحة شخصية أو ضغطا مهنيا أو تضاربا في الحكم.

وتتبنى الوثيقة مفهوما مزدوجا للاستقلالية. الأول يتعلق باستقلال الحكم المهني نفسه، أي قدرة محافظ الحسابات على إصدار رأيه دون ضغط أو تأثير. أما الثاني فيتعلق بالصورة الخارجية للمهمة، بحيث لا يجب أن تظهر أي علاقة أو مصلحة قد تدفع طرفا مطلعا إلى الشك في حياد المدقق أو موضوعيته.

وتكتسب هذه القاعدة وزنا خاصا في القطاعات المالية. فالقوائم المالية للبنوك وشركات التأمين والمؤسسات المدرجة لا تعني المساهمين فقط، بل تمس المودعين، الدائنين، حملة الوثائق، المستثمرين، والجهات الرقابية. لذلك، فإن استقلال محافظ الحسابات في هذه القطاعات يعد جزءا من سلامة السوق وليس مجرد شرط مهني داخلي.

منع الأتعاب المشروطة والتبعية لعميل واحد

في جانب الأتعاب، يضع المشروع حدودا أوضح للعلاقة المالية بين محافظ الحسابات والعميل. فالمدونة تمنع الأتعاب المشروطة أو المرتبطة بنتيجة المهمة، كما تحظر الوضعيات التي تجعل مكتب محافظ الحسابات تابعا اقتصاديا لعميل واحد أو لعدد محدود جدا من العملاء.

كما تعد هذه النقطة من أهم عناصر حماية التدقيق، لأن التبعية المالية قد تتحول إلى ضغط غير مباشر على الرأي المهني. فإذا أصبح عميل واحد يمثل حصة كبيرة من مداخيل المكتب، يصبح خطر المجاملة أو التردد في إبداء التحفظ أكبر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمؤسسات كبيرة أو حساسة ماليا.

كما لا تسمح المدونة بأتعاب منخفضة بشكل يهدد جودة المهمة. فالتدقيق يتطلب وقتا، فريقا، توثيقا، اختبارات، ومراجعة مهنية، وأي أتعاب غير كافية قد تنعكس على مستوى الفحص وجودة الرأي النهائي.

يفتح مشروع المدونة الباب أمام استخدام أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في مهام التدقيق، لكنه يضع قاعدة واضحة: التقنية تساعد ولا تعوض محافظ الحسابات.

وبموجب هذا التوجه، يمكن الاستعانة بالبرمجيات، التحليل الآلي للبيانات، أدوات كشف الأنماط غير العادية، والخدمات الرقمية، غير أن الاستنتاج النهائي يبقى مسؤولية محافظ الحسابات. فالرأي المهني لا يصدر عن الخوارزمية، ولا يمكن نقل المسؤولية إلى برنامج أو منصة أو نظام سحابي.

كما توسع المدونة واجب السر المهني ليشمل المعطيات الإلكترونية، سواء كانت مخزنة، مرسلة، معالجة، أو محفوظة عبر خدمات سحابية. وهذا التطور ينسجم مع رقمنة المحاسبة والتدقيق، حيث أصبحت حماية البيانات جزءا مركزيا من حماية سرية المهمة.

مكافحة تبييض الأموال وNOCLAR

تدرج المدونة التزامات واضحة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، من خلال إجراءات اليقظة، معرفة العميل، تقييم المخاطر، والتصريح بالشبهة وفق التشريع الوطني.

كما تعتمد آلية الاستجابة لمخالفات القوانين والتنظيمات، المعروفة دوليا بـNOCLAR. وتسمح هذه الآلية لمحافظ الحسابات بالتعامل مع المخالفات الجوهرية أو المحتملة التي يكتشفها أثناء المهمة، وفق مسار مهني تدريجي يبدأ بفهم الوقائع وتقييم أثرها، ثم التواصل مع المستويات المناسبة داخل المؤسسة، قبل اتخاذ الإجراءات التي يفرضها القانون والمعايير المهنية.

وتمنح هذه الآلية بعدا جديدا لدور محافظ الحسابات، إذ لم يعد مطلوبا منه فقط فحص الأرقام، بل أيضا التعامل مع مؤشرات عدم الامتثال التي قد تؤثر في القوائم المالية أو تمس مصالح الغير.

15 يوما للتصريح بالإدانة أو المتابعة

على المستوى التأديبي، يخصص المشروع 11 مادة للمسؤولية المدنية والجزائية والتأديبية، مع سلم عقوبات يبدأ بالإنذار، ثم التوبيخ، فالتوقيف المؤقت، وصولا إلى الشطب من جدول الغرفة.

ومن أبرز المستجدات إلزام محافظ الحسابات بالتصريح بأي متابعة قضائية أو إدانة خلال أجل لا يتجاوز 15 يوما. ولا ينظر المشروع إلى عدم التصريح كمسألة شكلية، بل كخطأ تأديبي مستقل، لأن ممارسة المهنة تفترض التزاما دائما بالشفافية والنزاهة.

وتشدد المدونة أيضا على واجب التحفظ، خاصة في التعامل مع القضاء، هيئات المهنة، والزملاء. وتعتبر السلوكات التشهيرية أو الاستفزازية أو المسيئة لصورة المهنة سببا يمكن أن يؤدي إلى المتابعة التأديبية، بما في ذلك ما ينشر في الفضاءات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي.

مواءمة مع المعايير الدولية

يرتبط مشروع مدونة 2026 بالتحولات الدولية في أخلاقيات المحاسبة والتدقيق، إذ تمت مواءمته مع مدونة الأخلاقيات الدولية الصادرة عن مجلس المعايير الدولية لأخلاقيات المحاسبين IESBA، التابع للاتحاد الدولي للمحاسبين IFAC، في تحديثات 2024 و2025، مع تكييفه مع التشريع الوطني.

وتتضمن الوثيقة أيضا أحكاما استشرافية مرتبطة بالتأكيد في مجال الاستدامة، وهو مجال يتوسع دوليا مع انتقال التدقيق من مراجعة الحسابات المالية فقط إلى التحقق من معلومات الحوكمة، البيئة، المخاطر المناخية، والاستدامة.

ويعني ذلك أن محافظ الحسابات في الجزائر سيكون مطالبا، خلال الأعوام المقبلة، بالتعامل مع ملفات أكثر تعقيدا، لا تتعلق فقط بالأرقام المحاسبية التقليدية، بل بمعلومات غير مالية أصبحت تؤثر في تقييم المؤسسات وتمويلها وصورتها أمام المستثمرين.

رهان الثقة في السوق

اقتصاديا، تمثل المدونة الجديدة محاولة لرفع جودة الثقة في المعلومة المالية داخل الجزائر. فكلما كانت قواعد التدقيق أكثر صرامة، واستقلالية محافظ الحسابات أوضح، تراجعت مخاطر تضارب المصالح، وضعفت احتمالات القوائم المالية غير الموثوقة، وتحسنت قدرة المستثمرين والبنوك والإدارة الجبائية على الاعتماد على البيانات المحاسبية.

وتأتي هذه الخطوة في سياق اقتصادي يتطلب تمويلا أكثر شفافية، سوقا مالية أعمق، رقابة أفضل على المؤسسات، ومكافحة أقوى للممارسات غير القانونية. لذلك، فإن المصادقة على أول مدونة أخلاقية لمحافظي الحسابات لا تعني المهنة وحدها، بل ترتبط مباشرة بجودة مناخ الأعمال وحوكمة الشركات في الجزائر.

وفي حال اعتماد المشروع يوم 9 جويلية، ستدخل مهنة محافظة الحسابات مرحلة جديدة عنوانها: استقلالية أشد، رقابة أوضح، مسؤولية أكبر في استخدام التكنولوجيا، وضوابط أقوى للمهام الحساسة داخل البنوك والتأمينات والبورصة.

مواضيع ذات صلة

التونسي للتضامن يطلق منصة إلكترونية لجدولة الديون

Nesrine Bouhlel

الجزائر تبحث تنظيم المحروقات مع النقد الدولي

Nesrine Bouhlel

الدولي يشيد بإمكانات تونس لتحقيق التنمية المستدامة

Nesrine Bouhlel